اليهود ، المتنورون والماسونية: في الثورة الفرنسية

مقدمة: رجلان، في بلدين مختلفين، توصلا لنفس “الحقيقة” المرعبة لجماعة المتنورين

المتنورين وفضحهم: تخيّل معي المشهد التالي: في خريف عام 1797، وبينما كانت أوروبا كلها لا تزال تحت وقع الصدمة من الثورة الفرنسية التي أطاحت بالملكية وأعدمت الملك وأغرقت البلاد في “عهد الإرهاب” الدموي، صدر في إنجلترا كتاب يحمل عنوانًا مرعبًا: “براهين على مؤامرة ضد كل أديان وحكومات أوروبا”، لمؤلفه العالم الاسكتلندي جون روبيسون. وفي نفس تلك الفترة تقريبًا، وعلى الجانب الآخر من القنال الإنجليزي، كان قسٌّ فرنسي لاجئ يُدعى الأب أوغستان بارويل ينشر على أجزاء عملاً ضخمًا بعنوان “مذكرات لتاريخ اليعقوبية”، يطرح فيه — بشكل مستقل تمامًا كما زعم — نفس الاستنتاج المرعب بالضبط.

الاستنتاج الذي توصّل إليه الرجلان، كلٌّ من زاويته الخاصة: أن الثورة الفرنسية لم تكن انفجارًا اجتماعيًا عفويًا ناتجًا عن أزمة اقتصادية وظلم طبقي وأفكار تنويرية متراكمة، بل كانت نتيجة مباشرة لمؤامرة سرية منظمة، دبّرتها جمعية غامضة تُدعى “المتنورين” ، تسللت إلى المحافل الماسونية في أوروبا واستخدمتها كغطاء لتنفيذ خطة شيطانية واحدة: تدمير كل عرش وكل مذبح على وجه القارة.

هذان الكتابان — رغم أن قلة قليلة اليوم تعرف اسميهما — يُعتبران من قِبل مؤرخي الأفكار من أهم الوثائق في تاريخ البشرية، ليس لأنهما يقولان الحقيقة فقط، بل أيضا لأنهما أطلقا الشرارة الأولى لنمط تفكير سيهيمن على قرنين ونصف من الزمن، ويتردد صداه إلى يومنا هذا في كل نظرية مؤامرة تتحدث عن “أيدٍ خفية” تتحكم بمصير العالم.

في هذا المقال، سنغوص في كل كتاب على حدة، نفهم من كان مؤلفه ولماذا كتبه، ثم نضع الاثنين جنبًا إلى جنب لنكتشف حقيقة صادمة عن مدى “استقلالية” استنتاجيهما المتطابقة، وسنحاول طوال هذا العرض أن نلتزم بمعيار واضح: عرض ما قاله الرجلان بأمانة ودقة، مقابلًا بما تؤكده الأرشيفات التاريخية الفعلية المتاحة اليوم، تاركين للقارئ أن يحكم بنفسه على المسافة الفاصلة بين الروايتين.

لماذا نشر رجلان في بلدين مختلفين كتابين متطابقين تقريبًا في نفس السنة تحديدًا؟

قبل الغوص في تفاصيل كل كتاب، يستحق هذا السؤال وقفة منفصلة، لأنه هو بالضبط ما أعطى الفكرة كل قوتها الأولية عند معاصريها. فحين يقرأ شخص عاصر تلك الحقبة كتاب روبيسون بالإنجليزية في لندن، ثم يقرأ — أو يسمع عن — كتاب بارويل بالفرنسية الصادر في نفس الفترة تقريبًا، ويجد أن كلاهما يصل لنفس الاستنتاج الدقيق تقريبًا (جمعية المتنورين البافارية هي المحرك السري وراء الثورة)، فإن الاستنتاج البديهي الأول الذي يقفز لذهنه هو: “لا بد أن هذا صحيح، وإلا فكيف يتفق رجلان لا صلة بينهما على نفس التفاصيل الدقيقة؟”.

الكتاب الأول: جون روبيسون وعالِمٌ يفزعه ما رآه في المحافل

من هو جون روبيسون؟

لم يكن جون روبيسون رجل دين متعصبًا ولا كاتبًا مغمورًا يبحث عن الشهرة، بل كان شخصية أكاديمية محترمة تمامًا: أستاذ الفلسفة الطبيعية (أي الفيزياء بالمصطلح الحديث) في جامعة إدنبرة، وسكرتيرًا للجمعية الملكية في إدنبرة، وصديقًا لعلماء بارزين في عصره. هذه الخلفية العلمية المرموقة هي بالضبط ما أعطى كتابه مصداقية هائلة عند صدوره — فمن يتخيل أن أستاذ فيزياء محترمًا يمكن أن يكتب شيئا كهذا؟

يروي روبيسون في مقدمة كتابه قصة شخصية: فقد كان هو نفسه عضوًا ماسونيًا نشطًا لسنوات طويلة، انضم إلى محافل في عدة مدن أوروبية خلال أسفاره (لييج، بروكسل، برلين، سان بطرسبرغ)، بل وحصل على درجات ماسونية رفيعة وشغل منصب “الأخ الخطيب” في أحد المحافل. لكنه يقول إنه لاحظ فرقًا جوهريًا بين الماسونية الاسكتلندية والإنجليزية الهادئة نسبيًا التي عرفها في وطنه، وبين الماسونية القارية (الأوروبية) التي وجدها مشحونة بجدية سياسية وفلسفية غريبة، بل ومقلقة.

قصة الاكتشاف: صندوق سري وحكاية مثيرة

يضيف روبيسون لمسة تشويقية لروايته: يقول إنه تسلّم ذات ليلة صندوقًا من “أخ” ماسوني كان يهرب فجأة من البلاد بعد اختلاسه أموالًا، وطلب منه حفظ الصندوق أمانةً. بعد سنوات، وبعدما تأكد أن ذلك الشخص لن يعود، فتح روبيسون الصندوق ووجد بداخله طقوسًا وتعليمات لدرجات ماسونية فرنسية متقدمة لم يكن يعرفها من قبل — وهذا الاكتشاف، إلى جانب مقالة قرأها لاحقًا في دورية ألمانية عن “انشقاقات” داخل الأخوة الماسونية، هو ما دفعه — بحسب روايته — للتعمق في البحث عمّا كان يجري خلف الكواليس.

الشخصية المحورية: آدم فايسهاوبت وتأسيس “جمعية المتنورين”

يخصص روبيسون فصلًا كاملاً لما يعتبره “اللحظة الحاسمة” في القصة: تأسيس جمعية “المتنورين” في مدينة إنغولشتات البافارية عام 1776، على يد أستاذ القانون الكنسي آدم فايسهاوبت. يصف روبيسون فايسهاوبت بأنه شخص تلقى تعليمه على يد اليسوعيين، لكنه — بعد إلغاء رهبنة اليسوعيين — تحوّل من تلميذ مخلص لهم إلى ألد أعدائهم، وقرر تأسيس جمعيته الخاصة كبديل “عقلاني” يحارب ما اعتبره خرافة دينية وطغيانًا كنسيًا واستبدادًا سياسيًا يخيّم على بافاريا.

آدم فايسهاوبت، مأسس جماعة المتنورين
آدم فايسهاوبت مأسس جماعة المتنورين

بحسب رواية روبيسون، استغل فايسهاوبت محفلاً ماسونيًا قائمًا بالفعل في ميونخ يُدعى “محفل تيودور للمشورة الطيبة” كواجهة لنشر أفكاره، مستفيدًا من الطابع السري والهرمي للمحافل الماسونية أصلاً ليبني داخلها هيكلية أكثر تشددًا وسرية. ومن هذه النواة الصغيرة، يزعم روبيسون أن الشبكة تمددت وتسللت تدريجيًا إلى محافل ماسونية أخرى في ألمانيا وفرنسا، حتى أصبحت — برأيه — قوة خفية موجّهة تقف وراء أحداث كبرى، وعلى رأسها الثورة الفرنسية نفسها عام 1789.

الأسماء الرمزية وهيكل المتنورين السري الذي يصفه روبيسون

من أكثر التفاصيل التي يوليها روبيسون اهتمامًا خاصًا — لأنها تعزز صورة “الجمعية السرية المتقنة التنظيم” في ذهن القارئ — نظام الأسماء الرمزية الذي تبنّاه أعضاء الجماعة. فبحسب وثائق يستشهد بها، كان فايسهاوبت نفسه يُعرف بين الأعضاء باسم “سبارتاكوس” (تيمنًا بقائد ثورة العبيد الشهيرة ضد روما)، بينما عُرف مساعده المقرّب زفاك باسم “كاتو”، وعُرف البارون كنيغه — أحد أنشط الأعضاء بعد فايسهاوبت نفسه، والذي طوّر كثيرًا من الدرجات العليا للتنظيم — باسم “فيلو”. حتى المدن الأوروبية نفسها، بحسب هذا النظام الرمزي، أُعطيت أسماء قديمة مستعارة: ميونخ سُمّيت “أثينا”، وفيينا سُمّيت “روما”. يستخدم روبيسون هذا التفصيل كدليل إضافي على مدى الجدية والتنظيم اللذين تميّزت بهما الجماعة، رغم أن مؤرخين لاحقين يرون في هذا النظام الرمزي ممارسة شائعة نسبيًا في جمعيات سرية وأخويات تلك الحقبة عمومًا، لا دليلاً استثنائيًا على نوايا إجرامية. ومن الأسماء المستعارة الأخرى التي يذكرها روبيسون: البارون باسوس الذي عُرف باسم “هانيبال”، وهرتل الذي عُرف باسم “ماريوس”، والماركيز كونستانزا الذي عُرف باسم “ديوميديس”، وحتى الناشر البرليني المعروف نيكولاي الذي عُرف باسم “لوسيان” تيمنًا بالكاتب الإغريقي الساخر من الأديان.

حادثة ضبط الوثائق: اللحظة التي “أثبتت” كل شيء في نظر معاصري روبيسون

يروي روبيسون بتفصيل دقيق حادثة تُعتبر، من الناحية التاريخية، نقطة التحول الحقيقية التي حوّلت جمعية المتنورين من مجرد شائعة هامشية إلى “فضيحة أوروبية” كبرى: ففي عام 1786، داهمت السلطات البافارية منزل أحد أعضاء الجماعة البارزين، المستشار زفاك، وضبطت مجموعة من الوثائق والمراسلات الأصلية للتنظيم. وفي العام التالي (1787)، عُثر على مجموعة أضخم بكثير من الوثائق في منزل عضو آخر يُدعى البارون باسوس. نشرت الحكومة البافارية هذه الوثائق المضبوطة رسميًا تحت عنوان “بعض الكتابات الأصلية” (Einige Originalschriften)، فيما نشر البارون كنيغه نفسه لاحقًا وصفًا تفصيليًا لبعض الدرجات العليا التي كان قد صمّمها بنفسه. ويلفت روبيسون الانتباه إلى أن هذه الوثائق المصادرة كانت غنية جدًا بالتفاصيل التنظيمية الدقيقة — من مشاريع لتأسيس “أخوية نسائية” تابعة للتنظيم، إلى مراسلات تقنية حول طرق تصنيع أحبار سرية وأجهزة كيميائية غامضة عُثر عليها في منزل زفاك نفسه، وهي تفاصيل استخدمها روبيسون لتعزيز صورة تنظيم شديد التطور والخطورة، رغم أن مصادر أخرى من نفس الحقبة تصف هذه “الأجهزة الكيميائية” بأنها على الأرجح لم تكن أكثر من أدوات كتابة سرية اعتيادية شائعة الاستخدام في المراسلات الحساسة سياسيًا في تلك الحقبة عمومًا، لا أدلة على مخطط إجرامي استثنائي.

هذه الوثائق المنشورة رسميًا هي المصدر الأساسي الذي اعتمد عليه كل من روبيسون وبارويل لاحقًا في بناء رواياتهما — وهي بالفعل وثائق حقيقية لجمعية حقيقية، وهذا بالضبط ما منح الكتابين ثقلاً ومصداقية ظاهرية كبيرة عند صدورهما: فهما لم يختلقا وجود الجماعة من العدم، بل استندا إلى فضيحة حكومية موثقة ومعترف بها رسميًا.

“الاتحاد الألماني”: حلقة أخرى يضيفها روبيسون إلى سلسلة المتنورين

في فصل منفصل، يتوسع روبيسون في الحديث عن جمعية أخرى مرتبطة، بحسب زعمه، بنفس الشبكة: ما يسميه “الاتحاد الألماني” (German Union)، وهي شبكة نشر وتوزيع كتب ودوريات ألمانية اتهمها روبيسون بأنها كانت واجهة أخرى لنشر الأفكار المعادية للدين والحكومات بشكل ممنهج عبر السوق الأدبية، بتمويل وتنسيق من بقايا شبكة المتنورين بعد حظرها رسميًا. يقدّم روبيسون هذا الفصل كدليل على أن حظر الجماعة رسميًا عام 1785 لم ينهِ نشاطها الفعلي، بل دفعها فقط للتخفي بأشكال تنظيمية جديدة أقل وضوحًا للسلطات.

الأطروحة المركزية لروبيسون

يختصر روبيسون رسالته الأساسية في فكرة واحدة يكررها عبر الكتاب: أن جمعية “المتنورين”، منذ لحظة تأسيسها، لم تكن مجرد ناد فلسفي للنقاش، بل مؤامرة منظمة بعناية هدفها النهائي هو تقويض كل حكومة وكل دين في أوروبا، عبر إفساد عقول الشباب المتعلم تدريجيًا بجرعات متصاعدة من الأفكار “المتحررة” حتى الوصول لمرحلة رفض كل سلطة — دينية كانت أو سياسية — والدعوة لمجتمع “أممي” لا حدود فيه ولا سلطة عليه. ويرى أن الثورة الفرنسية لم تكن سوى التطبيق العملي الأول لهذه الخطة على نطاق دولة كاملة.

الكتاب الثاني: الأب بارويل القس

من هو الأب بارويل؟

إذا كان روبيسون قد قدّم نفسه كعالِم موضوعي يستكشف حقيقة مقلقة، فإن الأب أوغستان بارويل يأتي من زاوية مختلفة تمامًا: فهو قسٌّ فرنسي كاثوليكي، تلقى تعليمه في مدرسة يسوعية، وعاش الثورة الفرنسية من موقع الضحية المباشرة — فقد فرّ من فرنسا كأحد رجال الدين الرافضين لأداء يمين الولاء للدستور المدني الثوري الذي كان يُخضع الكنيسة لسلطة الدولة، ولجأ إلى إنجلترا كأحد آلاف “المهاجرين” (Émigrés) الفارّين من الإرهاب الثوري.

هيكل الكتاب: مؤامرة ثلاثية الطبقات

يبني بارويل أطروحته على هيكل ثلاثي محكم، يقسّم فيه “المؤامرة” إلى ثلاث طبقات متتالية ومتصاعدة الخطورة:

الطبقة الأولى: مؤامرة الفلاسفة ضد الدين المسيحي. يبدأ بارويل باتهام كبار فلاسفة التنوير الفرنسي — فولتير، ديدرو، دالمبير، وآخرين — بأنهم تآمروا بوعي وقصد لتقويض العقيدة المسيحية عبر كتاباتهم الساخرة والعقلانية، مستشهدًا بمراسلاتهم الخاصة (التي يقول إنه اطّلع عليها) كدليل على وجود خطة منسقة، لا مجرد تيار فكري متزامن.

فولتير، اشهر نشطاء المتنورين
فولتبر اشهر نشطاء المتنورين

الطبقة الثانية: مؤامرة الماسونيين ضد الملكية. يزعم بارويل أن هذه الأفكار المعادية للدين، بعدما بُذرت، وجدت طريقها إلى المحافل الماسونية التي تحوّلت — برأيه — من أندية اجتماعية بريئة إلى شبكة سرية معادية للنظام الملكي نفسه، تمهيدًا لهدم عرش لويس السادس عشر. ويخصص بارويل جزءًا كبيرًا من كتابه لتتبع تاريخ الماسونية الفرنسية نفسها، محاولًا إثبات أنها تحوّلت تدريجيًا من محافل تُعنى بالطقوس الرمزية والأخوة الاجتماعية إلى منابر لمناقشة “الحرية والمساواة” بمعناها السياسي الثوري، مستشهدًا بخطابات ومراسلات لمحافل فرنسية بعينها يقول إنها تعكس هذا التحول الأيديولوجي بوضوح. ويذهب إلى القول إن كثيرًا من الشخصيات التي قادت المراحل الأولى من الثورة كانت أعضاء ماسونيين نشطين، معتبرًا هذا دليلاً كافيًا على أن التنظيم الماسوني بأكمله — لا أفراد متفرقين ضمنه فقط — كان هو المحرك الفعلي للأحداث.

الطبقة الثالثة، والأخطر: مؤامرة “المتنورين” ضد كل نظام اجتماعي. وهنا يلتقي بارويل مع أطروحة روبيسون بالضبط: يرى أن جماعة فايسهاوبت البافارية هي الذراع الأكثر تطرفًا في هذا التصاعد، إذ لم تكتفِ بمعاداة الدين أو الملكية فقط، بل استهدفت — بحسبه — تقويض فكرة الملكية الخاصة والأسرة والمجتمع المنظم بأكمله، تمهيدًا لفوضى “أممية” شاملة كان الإرهاب اليعقوبي في باريس، برأي بارويل، مجرد أول تجلياتها الدموية. يخصص بارويل في هذا الجزء تحديدًا مساحة واسعة لوصف ما يعتبره “الدرجات العليا السرية” داخل تنظيم المتنورين — وهي درجات لم يكن يصل إليها إلا نخبة ضيقة جدًا من الأعضاء الأكثر ثقة، والتي يزعم أنها كانت تكشف تدريجيًا عن الهدف الحقيقي النهائي للتنظيم بعيدًا عن الشعارات الإصلاحية المعلنة في الدرجات الدنيا المخصصة لعامة الأعضاء المبتدئين. هذا التمييز بين “خطاب علني مطمئن للمبتدئين” و”هدف سري حقيقي للنخبة” هو بنية سردية ستتكرر لاحقًا بشكل شبه حرفي في عشرات نظريات المؤامرة اللاحقة عن جمعيات سرية أخرى عبر التاريخ، بما فيها نسخ لاحقة أكثر تطرفًا وخطورة من نفس هذا القالب السردي بعينه.

المصادر:

للمزيد من المواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *