ورأى جوبيتر ، ابن ساتورن، ما حاق بالأرض مغضباً وزفر زفرة مدوّية وقد تمثلت في ذهنه وليمة ليكاون الرهيبة التي لم يكن يعلم علمها أحد من أفراد ملكه، فدعا من معه إلى مجلسه واستجابوا له طائعين، سالكين سبيل المجرّة التي تُرى وضّاءة عندما تكون السماء صافية حتى انتهوا إلى حيث يقيم رامي الصواعق المهيب. وكانت من حواليهم إلى اليمين وإلى الشمال بيوت كبار معاونيه الخاصة بهم، وهو المكان الذي لا أجد حرجاً لو أُوتيت شيئاً من الجرأة في أن أُطلق عليه اسم بالاتينوس السماء المرتفعة، على حين كانت دور صغار المعاونين موزّعة هنا وهناك مختلفة عن تلك كل الاختلاف. وفي قاعة من الرخام انعقد مجلس الحكام، وقام كبيرهم على منصّته معتمداً على صولجان من العاج، وهزّ خصلة شعره الرهيبة مرات ثلاثاً أو أربعاً فارتجّت الأرض واضطربت النجوم، ثم خطبهم بقوله: «لم أحسّ قط بمثل ما أحسّه اليوم من قلق على ما يسود النظام العالمي من اضطراب، حتى ولا يوم حاول العمالقة ذوو أذيال الأفاعي أن يلفّ كل منهم أذرعته المائة حول السماء لكي يستولوا عليها، ولقد كادوا يفعلون لولا أنهم كانوا قلة ولم يكن ثمة من يشاركهم هذا الشرّ. وإن أخوفَ ما أخافه أن يمتدّ هذا الشرّ إلى غيرهم فيستفحل الخَطْب، لذا كان لا معدى عن إفناء البشر كافة فلا يبقى منهم أحد في العالم الذي تحيط به تلك البحار الصاخبة. أُقْسِمُ بأنهار العالم السفلى التي تسرى في غيضة ستيكس المندسّة في أعماق الأرض أنى قد جهدت في أن أقوم أمرهم ما استطعت، غير أن ذلك لم يُغن شيئاً وكان لزاماً أن يُجتث الشر من جذوره. غير أن أرواحاً وحوريات وساتيرا وجاناً في الغابات والتلال لم نكن قد أفسحنا لهم مكاناً في السماء، لذا كان علينا أن نهيّء لهم حياة على الأرض، وما ظني بأنهم ناجون من شرّ ليكاون الذي أعقب خمسين من الجاحدين وحاك الدسائس من حولى، وأنا قاذف الصواعق وزمامها في يدى، بل وكبيركم أيضاً».
وهمهم الحكام وزمجروا وغمرهم شعور من الذعر أشبه بذلك الذي غمر الناس حين حاولت فئة متمردة إخماد شعلة روما عندما انتهى إليهم خبر مقتل قيصر، فلقد أُلقى في روعهم أن ثمة دماراً سيحيط بالعالم يهزه من جميع أركانه. من أجل هذا نادى الحكام بإنزال العقاب على من كان سبباً لهذا البلاء. وكما أن ولاء رعاياك يُشيع السرور في قلبك يا أُوغسطس، فكذلك كان يَسْعَدُ جوبيتر بولاء أتباعه من المعاونين. ولكن جوبيتر ردهم إلى سكونهم بإشارة منه ثم قام فيهم خطيباً فقال: «لقد نال جزاءه ولم يعد يُخشى بأسه، وإليكم ما فعل وما ناله على ما فعل. فلقد انتهى إلَىَّ أن ثمة مرجفات تؤذن ببَذَرٍ في هذا الزمان الذي يُظلّنا فهبطتُ من عليائى في الأوليمبوس على الأرض في صورة آدمى، ورأيت، ويا هول ما رأيت! فلقد سمعت دون ما وقع عليه بصرى. وجُزْت جبال ماينالوس إلى بلاد تعجّ بالحيوانات المفترسة، ومنها إلى كيلينيه، ثم إلى ليكايوس القارسة البرد حيث غابات الصنوبر. وما إن أذنت الشمس بمهيب وأوشك الليل أن يرخى سدوله، حتى كنت على باب منزل ليكاون طاغية أركاديا. وعندها خلعت عنى صورة الآدمى وعُدْتُ إلى شكلي. وما إن رأى الناس حتى ازدحموا حولى، فأثار ذلك سخربة ليكاون وقال للناس غاضباً: سترون إن كان من التفتم حوله بهيا أم لا، وكان في عزمه أن ينقض علىّ على غرة منى فيقتلنى وأنا نائم، وكان يريد أن يجعل من هذا دليله على بطلان ألوهيتى وأنى من البشر. وكانت ثمة رهائن بين يديه من شعب مولوسوس، فإذا هو إمعاناً في فجوره وجبروته يقطع رقبة أحدهم بسيفه البتّار، ويلقى بجسده وهو لايزال ينبض بالحياة في النار، يجعل منه شوءاً. وأُعدّت المائدة ورُصّت الصّحاف وجلس يلتهم ما فيها في نهم وشره. فنقمتُ عليه فعله وأرسلتُ على بيته شواظا من نار أحرق البيت بما فيه من تماثيل لأسرته نصبها. غير أن ليكاون استطاع أن ينجو، ففرّ هارباً إلى الريف وهو ثائر غاضب. وهناك وجد نفسه أخرس لا يستطيع تحريك لسانه بكلمة، وألفى ما عليه من ثياب قد استحالت شعراً شائكاً، وإذا ذراعاه قد استحالتا ساقين، وإذا هو قد مُسِخَ ذئباً من أشرس ما تكون الذئاب، فعدا فاغر الفم إلى حيث قطعان الماشية ينهشها نهشاً ويقتلها تقتيلا. وكان على الرغم من صورته تلك التى استحال إليها لايزال يحمل شيئاً من ملامحه الأولى، فلقد بقى له شعره الأشيب كما بقى له وجهه الجهم البغيض بشراسته وقسوته، وكذا بقى له بريق عينيه وما فيهما من نظرات مرهوبة. ولم تحرق الصاعقة التى أحرقَت داره غيرها من دور الفساد، وهكذا سوف يظل في أنحاء الأرض أثر لثيميس الانتقام التى لا تمارس غير القسوة. ألا إن ما صادفته لم يكن غير مؤامرة من مؤامرات الإجرام، لذا قرّ قرارى الذى لا رجعة فيه أن يُوفَّى كُلٌّ جزاءه».

وهنا صاح بعض مناصري جوبيتر فيها قرر مطالبين إياه بالمعيد، على حين لزم آخرون الصمت. غير أنهم قد ساءهم جميعاً ما سوف يلقى البشر من عذاب، وما سوف تكون عليه الأرض بعد أن يقضى على هذا الجنس البشرى كله، وما سوف تكون عليه معابد في الأرض بعد أن لن تجد منهم من يختلف إليها مقدماً الهدايا، وخال الحكام أن الأرض بعد أن ينفذ فيها حُكْم جوبيتر سوف تكون مرتعاً للوحوش الضارية. وأحسّ جوبيتر ما يساور معاونيه من خوف فأعلن فيهم أن الأمور سوف تجرى دون إضرار، وأنه سوف يخلق بشراً غير البشر يختلفون عنهم الاختلاف كله، وسيولدون من أصل سوف يكون معجزة من المعجزات.
وكان جوبيتر على وشك أن يرسل صواعقه على الأرض لتأتى على من فيها أجمع، لولا أنه خشى إن هو أطلق صواعقه الملتهبة أن تشبّ النار في طبقات الجو العالية التى يسودها الصفاء وتنتقل منها إلى قبة السماء كلها، كما ذكر ما جاء في لوح القدر من أنه سيكون وقت تشتعل فيه الأرض والبحار وقبة السماء وينهار الكون أجمع، فعدل عما كان سيأخذ فيه من استخدام وسائل الدمار التى أعدّها «السيكلوبيس»، فرأى جوبيتر أن يعمّ العالم بسيول جارفة تأتى على البشر أجمع. فحشد رياح الشمال في كهوف أيولوس، وضمّ إليها الأعاصير التى تبدّد السحب الكثيفة، ثم أرسل رياح الجنوب من محبسها، فثارت تضرب بأجنحة مبلّلة في غياهب الظلمات وئيدة لثقل ما تحمل من أمطار تتساقط من خصلاتها البيضاء ومن حولها الضباب يُنذر بمقدمها، ثم ما لبثت أن ألقت فيها سيلاً متدفقاً عمّ الأرض وفاض في أرجائها. وكانت إيريس رسولة جونو [هيرا] وراء هذا في ثوب يجمع بين ألوان قوس قُزَح تُنشىء السُّحب الأولى إنشاءً وتُرسل بها مَدَداً في إثر بعضها، فإذا ما على الأرض من زرع وشجر يُقتلع، وإذا المزارعون يصُلون من أجله طويلاً ويبكون في حسرة لذهاب جهدهم طوال العام سدى. ولم يقنع جوبيتر بما تحت يديه من عوامل الدمار التى يسخّرها حسب هواه في مملكه بل طلب إلى شقيقه نبتون [بوزيدون] أن يرسل هو الآخر أمواجه اللازوردية على الأرض، فإذا البحار والأنهار والسماء بما ترسل من أمطار كلها حرب على الأرض لم تترك فيها ركناً مشيداً ولا بنياناً قائماً إلا أتت عليه، وإذا صفحة الأرض كلها مغمورة بالمياه.
وأرسل جوبيتر يستدعى الأنهار، وما إن مثلوا أمامه في قصره حتى ابتدرهم قائلاً: «ليس أمامنا وقت ننبده الآن في مُسهب العظات، فأمامكم مُهمّة عاجلة: أن تمارسوا كل ما تملكون من طاقات وأن تندفعوا بكل سطوتكم مرتدين إلى أوطانكم تكتسحون ما بها من أسوار، مُطلقين لمياهكم الجارية العنان».
هكذا كانت أوامره، فعادت الأنهار إلى مواطنها، وبعد أن فتحوا أفواه ينابيعهم انطلقوا بعنف صوب البحر في سيول عاتية.
وضرب نبتون الأرض بعصاه الثلاثية [صولجانه ذى الشُّعب الثلاث] فارتجفت واهتزت، وانشقت مجار للمياه تدفقت فيها وفاضت على الجانبين، فإذا هى تقتلع النباتات من جذورها، وتُغرق المحاصيل والكروم والناس والماشية، وتهدم البيوت على من فيها والمعابد على المصليّن بها، وتسوق الكتل العاتية التماثيل وتغمر الشاهقات فلم يعد يُرى منها غير قممها. ولم يفلت مبنى من هذه الكارثة إلا دمّرته موجة أعتى من الأولى فتهاوى سطحه تحت الماء، واختلط الأمر فلم تعد ثمة حدود بين الأرض والبحر، بل غدت الأرض كلها بحراً بلا شطآن. وهُرع نَفَرٌ إلى قمم الجبال يجدون فيها عاصماً من الغرق، ونفرٌ إلى السفن ذوات الحيازيم المقوّسة يضربون بالمجاديف فوق أرض كانوا يخطّون فيها بالمحاريث، وأقلع آخرون بقواربهم وسط المياه التى غمرت الحقول وكانت تعجّ بالأمس بحنطتها والبيوت التى كانت فيما مضى مأواهم. وهنا وهناك كانت عيونهم تلمح أسراب السمك عالقة بغصون أشجار الدردار. وأرسى بعض الملاحين سفنهم حيث كانت المراعي الخضراء، وأحياناً كانت السفن المسطحة القاع تمسّ الكروم التى ترقد تحتها. وفى الأماكن التى كانت قطعان الماعز ترعى الأعشاب فيها آمنة انسابت كلاب البحر القبيحة تشقّ طريقها بين الأمواج، وانتابت الدهشة حوريات النيرياديس حين رأين الغيضات والمدن والدور مدفونة تحت المياه، واحتلت الدلافين الغابات تلوى الأغصان العالية وتهزّ جذوع الأشجار البلوط التى ترتطم بها. وسبحت الذئاب بين قطعان الماعز، وحملت الأمواج النمور والأسود المصفَرّة السُّمرة. أما الخنازير البرّية فلم تُغن عنها أنيابها القاطعة، كما لم تسعف الأوعال سيقانها القوية على العَدْو، فإذا الفيضان قد ابتلعها جميعاً. وحلّقت الطيور في الجو ما شاءت أن تحلّق حتى كلّت أجنحتها فهوت في ذلك الخضم، وإذا هذا الفيض قد غطّى التلال وبلغ ذروة الجبال، وإذا الجنس البشرى قد فنى أ كثرُه، ومن نجا منهم من هذا الفيض أهلكه الجوع.

وكان فيما غمر الماء أرض فوكيس الخصبة التى كانت حدّاً فاصلًا بين حقول بويوتيا وحقول أويتا. وكان ثمة جبل شامخ هو جبل بارناسوس له قمتان توأمتان تكادان تلمسان النجوم وتخترق سطحيه السحب، رسى عليه الفلك الذى كان يحمل ديوكاليون وزوجته. وكان ديوكاليون بن بروميثيوس خير البشر وألزمهم للطريق السوىّ، وكانت زوجته بيرا ابنة إبيميثيوس أكثر النساء إجلالًا لهم. وكان أول شيء فعله الزوجان أن اتجها بالشكر إلى رحوريات كوريكيا، وإلى ثيميس، فقاما يشكران لهن من أجل نجاتهما. ورأى جوبيتر الأرض وقد غطتها المياه الآسنة، وأنه لم يبق من الرجال الذين بلغت عُدّتهم آلافاً غير واحد هو ديوكاليون، وأنه لم يبق من النساء اللاتى بلغت عدتهن آلافاً غير واحدة هى بيرا، وكانا من الأتقياء المخلصين لذلك نجوا من الهلاك وسلمت لهما حياتهما.
وأطلق جوبيتر رياح الشمال من محبسها فبدّت السُحب بَدْدا، وانقشع الضباب فبدت صفحة السماء صافية وظهرت رقعة الأرض مبسوطة، وسكنت الأمواج وهدأت ثورة البحر بعد أن ألقى نبتون صولجانه ذا الشُّعب الثلاثة من يمينه. وكان نبتون قد طلب إلى تريتون أن ينفخ في صُوره الحلزونى، ذلك الصُّور الرنان الذى يتسع شيئاً فشيئاً حتى يبلغ مخرج الصوت. وما إن جلجل صوته حتى ارتدت مياه البحار والأنهار منحسرة عن الأرض، وهدأت الأمواج وسكنت ثورتها منذ أن مسّ فمه الصُّور إلى اليوم. ثم ضمّ تريتون شفتيه على الصُّور ثانية، فصدر عنه صوت غمر الشطآن التى يطلع عليها سول راكب الشمس مع مستهل رحلته اليومية في الفضاء ومنتهاها. وتثنت لحية تريتون والماء يقطر منها وأمر المياه بالانحسار، فإذا مياه الأرض كافة، ومياه السهول التى لم تنحسر والأمواج في أنحاء الكون تستجيب لهذا الأمر السماوى. واستقرت الأنهار في مجاريها والبحار في وهداتها، وبدت تربة الأرض نديّة، وبرزت التلال والجبال، وكلما تراجعت المياه اتسعت مساحة الأرض، ومضت أيام طويلة قبل أن تنفض الأشجار الطين عنها. وعادت الحياة سيرتها الأولى.
ونظر ديوكاليون فرأى نفسه وحيداً، ليس إلى جواره في الفضاء الممتد غير بيرا فجزع، وإذا عيناه تدمعان، فمال إلى بيرا يقول لها: «يا ابنة عمى وزوجتى، أيتها المرأة الوحيدة التى قُدّر لها أن تبقى بعد فناء النساء كلهن، إليكِ أفزع فزع القريب إلى قريبه والزوج إلى زوجه. لقد جمعت ما بيننا الأهوال، فليس ثمة على الأرض غيرنا ولا تطالع الشمس غيرنا في مطلعها ومغيبها بعد أن ابتلع اليمّ البشر. وإنى على ذلك غير مطمئن فقد يصيبنا ما أصاب إخوتنا بالأمس، فلازال خيال السُّحب في مخيلتى يروعنى. تُرى، على أية حال كنا سنكون لو قُدّر لنا ألّا نلتقى، وهل كنت ستَقْوين على مغالبة المخاوف وحدك، ومن كان سيقف إلى جنبِك ليعينك على المخاطر؟ أُقسِم لك غير حانث أن أرباك بحياتى، وأنى لا أملك غير أن أقذف بنفسى في اليمّ لو عجزت عن أن أدفعه عنك ورأيته يبتلعك يا زوجتى الحبيبة. كم أتمنى لو أنى أعدت العالم عامراً كما كان ناهجاً النهج نفسه الذى انتهجه أبى».
وبكت بيرا لكلمات ديوكاليون، ثم وقفت إلى جانبه يضرعان العون. ثم مضيا إلى مياه نهر كيفيسوس [في بويوتيا] التى كانت ماتزال تنساب في قنواتها قبل أن يعاودها صفاؤها القديم، فغسلا بمياهه رأسيهما وملابسهما، ثم تقدما إلى مذبح ثيميس، وكان سقفها المسنّم قد أحالت لونه الأعشاب المتخلّقة عن المياه المنحسرة وساد الظلام هيكله، فركعاً ولثَما أرضه الندّية خاشعين وتوجّها إلى ثيميس قائلين: «هل من مطمع في أن تستجيب ثيميس إلى صلواتنا الخالصة فترفع عنا غضبها، ألهمينا يا ثيميس كيف نقوى على إصلاح ما حاق بالجنس البشرى، أيتها الرحيمة كونى لنا عوناً في محنتنا». وأخذتها الشفقة بهما فتمتمت بهذه النبوءة: «اخرجا المن معبد، وضعا على رأسيكما غطاء، وتخفّفا من تلك الأحزمة التى تشدّ ملابسكما، واتركا وراءكما عظام أُمّكما الجليلة». وكان كلامها غير بيّن فتملّكهما العجب، وعزّ على بيرا أن تستجيب لأمر ها خشية الإساءة إلى طيف أمها إذا هى أزعجت عظامها في مرقدها، ولكنها لم تلبث أن عاودتها طمأنينة أطلقت شفتيها الراجفتين بالتوسل لثيميس أن تغفر ترددها. غير أنهما أخذا يتدبران كلماتها الغامضة، وانتهى ديوكاليون بن بروميثيوس إلى أن قال لبيرا ابنة إبيميثيوس: «إنهن على حق، وهن لا يُشِرْن بما لا تُحمد عقباه، وإنى لأخال أن الأم الجليلة التى جاءت على لسانها ليست غير الأرض، وأن تلك العظام ليست غير الأحجار التى في باطنها، وأن علينا أن نترك هذه الأحجار وراءنا».
وآمنت بيرا بما خال ديوكاليون، غير أنها بقيت يخالجها شيء من الشك فيما أشارت به ثيميس، وكان لابد لهما من أن يمضيا في التنفيذ ليبين لهما صدق ما قالت. فهبطا من على رأس الجبل ورأساهما مغطيان، وقد تخفّفا من تلك الأحزمة التى تشدّ ملابسهما، وأخذا يُلقيان بالأحجار وراءهما كما أشارت ثيميس. مَنْ يُصدّق ما حدث بعد ذلك لولا أن التاريخ الخالد يشهد به؟ فإذا الأحجار تلين، وإذا هى تتشكّل أشكالًا، وإذا هذه الأشكال على صور هياكل آدمية رغم أنها لم تكن ذات سمات واضحة بل كانت أشبه بتماثيل من الرخام لم يكتمل نحتها ولم تُصْقَل بعد. ثم ما لبث أن استحال الحجر لحماً فكسا تلك الهياكل العظمية، كما استحالت العروق التى كانت تتخلّل الصخور عروقاً في تلك الأجسام الآدمية، وكان كل حجر يُلقيه ديوكاليون يأخذ صورة الرجل، كما أن كل حجر كانت تُلقيه بيرا يأخذ صورة المرأة.

وإلى هذه النشأة القاسية الصلبة يُعزى كل ما في الجنس البشرى من عنف وغلظة وقسوة.
المصدر:



