زهور ومارد الجن

البداية: صباح دراسي عادي

في صباح يوم دراسي من عام 2009، كان الجميع في منطقة جبلية تابعة لمحافظة الباحة بالمملكة العربية السعودية يودّعون أطفالهم إلى مدارسهم كعادتهم. كانت هناك فتاة تدرس في مدرسة خاصة بتحفيظ القرآن الكريم، تصطحب معها يوميًا أختها الصغرى التي تدرس في المدرسة ذاتها. كانت الأخت الكبرى تبلغ من العمر ما يقارب الثامنة، وتسير ممسكة بيد أختها الصغرى في طريقهما المعتاد، القريب من منزلهما.

كل شيء كان يسير بشكل طبيعي، حتى تلك اللحظة التي أفلتت فيها يد الصغيرة من يد أختها فجأة. لم تستوعب الأخت الكبرى ما يحدث؛ فقد انطلقت الصغيرة تركض بعيدًا عن اتجاه المدرسة، بسرعة هائلة لا تتناسب إطلاقًا مع طفلة في الثامنة من عمرها. لم تصرخ، لم تنطق بكلمة، لم تتمكن الأخت الكبرى حتى من استيعاب اللحظة قبل أن تختفي أختها عن الأنظار. وصفت لاحقًا تلك السرعة بأنها أشبه بقوة غريبة كانت تجذب الصغيرة وتحركها، إذ كان من المستحيل عليها أو على أي شخص آخر أن يلحق بها.

عادت الأخت الكبرى راكضة إلى البيت وهي تبكي وتصرخ، وأخبرت أهلها بأن أختها زهور أفلتت من يدها وركضت بعيدًا. اتصل الأب فورًا بكل من يعرفهم في المنطقة، وبدأ الجميع بالبحث عن الفتاة المفقودة “زهور الحارثي”، وهو الاسم الذي عرفه كل سكان تلك المنطقة الجبلية جيدًا.

سبع ساعات من القلق

انطلق أهالي المنطقة يبحثون بين الجبال، ينادون اسم زهور بأعلى أصواتهم، دون أي جدوى. مرت سبع ساعات كاملة والقرية بأسرها منشغلة بالبحث، بينما بدأت الشمس بالمغيب والإضاءة الخافتة في القرية تزيد من صعوبة المهمة. رجع الجميع إلى بيوتهم مرغمين، مثقلين بالقلق، وسأل الأهل الأخت الكبرى مجددًا عن تفاصيل ما حدث، متسائلين كيف يمكن لطفلة صغيرة أن تركض بتلك السرعة الموصوفة. بدا الأمر مستحيلاً في نظرهم، لكن الفتاة أصرّت على روايتها.

وفي تلك الليلة ذاتها، دُقّ باب المنزل بقوة. أسرع الأب لفتحه، وبمجرد أن فتحه وجد زهور واقفة أمامه، لكن بمظهر مخيف: وجهها شاحب، وملابسها المدرسية متسخة تمامًا. سألوها أسئلة كثيرة: “أين كنتِ؟ لماذا هربتِ؟” لكن إجاباتها كلها كانت “لا أدري، لا أعرف”. قالت إنها شعرت فجأة وكأنها وجدت نفسها في أحد الأودية، ذلك الوادي الذي يصعب الوصول إليه حتى على شخص بالغ، فكيف بطفلة في عمرها؟ أضافت أنها كانت تسمع أصوات أهلها ينادونها، لكنها لم تكن تعرف من أي اتجاه تأتي، ولا تدري كيف عادت إلى المنزل بالضبط.

اكتفى الأهل بفرحتهم لعودتها سالمة، فلم يُلحّوا عليها بالأسئلة أكثر، وأخذوها للاستحمام ثم للنوم. لكن في الأيام التالية، لاحظوا تغيّرًا واضحًا في سلوكها: قلّ أكلها، قلّ كلامها، وصارت تجلس بينهم جسدًا فقط بينما عقلها بعيد تمامًا، تحدّق طويلاً في سقف الغرفة كأنها تنتظر ظهور شيء ما.

التشخيص: مسّ من الجن

أثار هذا التغيّر قلق الأهل بشدة، فأخذوها إلى أطباء نفسيين وإلى راقين شرعيين. وأكد أحد كبار مشايخ الدين في المنطقة أن ما أصاب زهور هو مسّ من الجن، ونصح الأب بالانتقال بأهله بعيدًا عن تلك المنطقة التي نشأوا فيها. أخذ الأب بنصيحة الشيخ، وانتقلت العائلة إلى قرية أخرى ضمن نطاق منطقة الباحة. ومع مرور الأيام هناك، بدأت حالة زهور تتحسن تدريجيًا — لم تعد كسابق عهدها تمامًا، لكنها كانت أفضل بكثير مما كانت عليه.

منع الأب ابنته من العودة إلى الدراسة لفترة طويلة بعد الحادثة، خوفًا عليها، رغم اشتياقها الشديد لحياتها الطبيعية ولإكمال تعليمها وتكوين صداقات جديدة. ومع تصاعد الضغوط الاجتماعية عليه — إذ بدأ الناس يقولون إن من الحرام حرمان ابنته من التعليم وهي تكبر أمام أعينهم — وافق الأب أخيرًا على عودتها للمدرسة، لكن بشرط واحد لا محيد عنه: أن يوصلها بنفسه كل يوم، ليطمئن على سلامتها.

الهروب الثاني: عند بوابة المدرسة

في أحد الأيام، ركب الأب وابنته السيارة متوجهين إلى المدرسة كالمعتاد. وما إن وصلا ونزلا، وبدآ يمشيان معًا ممسكين بالأيدي نحو بوابة المدرسة، حتى أفلتت يد زهور من يد أبيها فجأة، وانطلقت راكضة — لكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس تمامًا للمدرسة. رأى الأب بأمّ عينه بالضبط ما وصفته ابنته الكبرى قبل سنوات: ابنته تركض بسرعة غير طبيعية إطلاقًا.

ركب سيارته على الفور ملاحقًا إياها، لكنه لم يستطع اللحاق بها. وصف لاحقًا كيف بدت وكأنها تطير فوق الأرض؛ كلما اقترب منها ابتعدت أكثر، وكأن قوة خفية تحملها وتركض بها. تنقّلت بين البيوت والشوارع حتى اختفت تمامًا عن ناظريه.

عاد الأب إلى البيت محطمًا، يلوم نفسه، بينما انهارت الأسرة بأكملها من جديد وهي تدرك أنها ستعيش الكابوس ذاته مرة أخرى — لكن هذه المرة دون معرفة ما إذا كانت ستعود في نفس اليوم كسابقتها أم لا. وصل الخبر إلى القرية القديمة والجديدة على حد سواء، وتجمّع الجميع للبحث، وشارك رجال الشرطة هذه المرة في المساعدة. مرّ يوم كامل ولم تعد زهور، خلافًا للمرة الأولى، فبدأ الخوف يتصاعد أكثر فأكثر.

مرّت الأيام، ثم الأسابيع، ثم الشهور، دون أي أثر لها. كان الأهالي يخرجون كل صباح للبحث بين الجبال والأودية، ينادون اسمها بأصوات عالية دون أي نتيجة. كانت الأم تصعد الجبل حاملة المصحف، تقرأ وتنادي على ابنتها، وقد مرت ثمانية أشهر كاملة على اختفائها وكأنها للأسرة ثماني سنوات.

المرأة العجوز في تهامة

وذات يوم، وصل اتصال هاتفي لوالد زهور من شخص يقيم في منطقة تهامة، يخبره أن ابنته قد ظهرت هناك. وصف المتصل ما رآه بأنه امرأة تبدو عجوزًا كبيرة في السن، تسكن وحدها في بيت قديم. توجه الأب فورًا إلى هناك، وطرقوا الباب، فخرجت إليهم تلك المرأة العجوز وروت لهم ما شهدته:

في إحدى الليالي، دُقّ باب بيتها بقوة. عندما فتحت الباب، وجدت أمامها فتاة صغيرة ترتدي زيًا مدرسيًا، شعرها مرتب لكنه طويل جدًا ومتسخ، وكانت الفتاة متسخة جدًا أيضًا. سألتها العجوز: “من أنتِ؟ ماذا بكِ؟”، لكن الفتاة لم تُجب عن هذا السؤال، بل قالت فقط إنها عطشانة جدًا وتريد ماءً. أشفقت عليها العجوز وذهبت لإحضار الماء، لكن حين عادت، كانت الفتاة قد اختفت فجأة، دون أي أثر، من أمام باب البيت مباشرة.

في اليوم التالي، ذهبت العجوز إلى جارتها وروت لها ما حدث، فقالت لها جارتها فورًا: “هذه بالتأكيد زهور الحارثي”، الفتاة التي يبحث عنها أهلها منذ ثمانية أشهر بين الجبال. نصحت الجارة والد زهور بألا يستمر في البحث، قائلة إنها ربما ماتت من العطش لشدة إرهاقها كما بدت. لكن الأب، رغم هذه النصيحة المحبطة، أخذ إخوته وأقاربه وبعض أهالي تلك المنطقة المعروفين بها، وبدأوا البحث في تهامة — وهي منطقة معروفة بوعورة أوديتها وخطورة مسالكها، لا يستطيع الدخول إليها إلا من يعرفها جيدًا.

أصوات في الليل

لم تكن هذه هي المصيبة الحقيقية بعد. فقد بدأ الأهالي، أثناء بحثهم بين الجبال ليلاً، يسمعون صوت فتاة تستغيث وتبكي بصوت عالٍ. وكلما ركضوا باتجاه الصوت، وجدوا أن مصدره قد انتقل إلى الاتجاه المعاكس تمامًا، وكأن الصوت يتنقل عمدًا كي لا يصلوا إليه. كان المشهد مرعبًا بكل المقاييس: أصوات استغاثة حقيقية بالليل، لا يستطيعون الوصول إلى مصدرها مهما حاولوا.

استشار الأب مشايخ الدين مجددًا، فأكد له أحدهم أن ابنته زهور فعلاً “مأخوذة” من قِبل مارد — أحد أكبر الجن وأقواهم في تلك المنطقة بأكملها — وأنه هو من يحتجزها. استمر هذا الاختفاء الثاني قرابة عام وثمانية أشهر، تخللته حوادث غريبة متفرقة: أهالٍ ادّعوا رؤيتها تركض بسرعة خارقة، وشرطي أثناء دوريته الليلية بين الجبال زعم أنه رآها تطلب منه الماء، فحاول الإمساك بها فصرخت فيه رافضة، وحين عاد إليها بالماء كانت قد اختفت وهي تركض بسرعة غير طبيعية، حتى إنه فقد وعيه من شدة الخوف والصدمة.

العودة إلى حظيرة الأغنام

وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء مناسبة عائلية في إحدى قرى الباحة وخفوت صخب الحفل، سمع أهل البيت صوت فتاة قادمًا من حظيرة المواشي الملاصقة لمنزلهم. ذهبوا للتحقق، فوجدوا فتاة متكوّمة داخل الحظيرة — وكانت زهور. عباءتها ممزقة، جسدها منهك، وهي تتوسل أن ينقذها أحد. عثر أهل ذلك المنزل على أرقام تواصل عائلتها داخل حقيبتها المدرسية، فاتصلوا بهم فورًا.

وصل الأب والأسرة، وأخذوا زهور، استحمّت وغيّرت ملابسها، وقطع الأب على نفسه عهدًا ألا تخرج ابنته من البيت وحدها بعد اليوم أبدًا. أخبرتهم زهور أنها لا تتذكر شيئًا مما حدث طوال تلك الفترة، وأنها كانت تشعر أن أحدًا كان “يتحكم بها”، وأنها لم تكن واعية بتاتًا طوال تلك الأشهر. لم تكن تعرف شيئًا عن كل الحوادث التي رواها لها أهلها لاحقًا، ولا تتذكر شيئًا سوى لحظة إفاقتها في تلك الحظيرة.

سنوات من الهدوء… ثم التكرار

مع الاستمرار في الرقية الشرعية ومرور الوقت، تحسنت حالة زهور تدريجيًا حتى عادت شبه طبيعية تمامًا. وحين بلغت التاسعة عشرة من عمرها، وقد سئمت الجلوس في البيت بينما كل من حولها يواصلون تعليمهم، طلبت من والدها السماح لها بالعودة إلى الدراسة مجددًا.

رفض الأب بشدة في البداية، خشية تكرار الكابوس. لكن تحت وطأة ضغوط اجتماعية متجددة، وافق مرة أخرى. في صباح أحد الأيام، ارتدت زهور عباءتها المدرسية وحملت حقيبتها، ومشت ممسكة بيد والدها القلق نحو بوابة المدرسة. هذه المرة، وصلا إلى الداخل دون أي حادث، فعاد الأب إلى بيته مطمئنًا، ظانًا أن ابنته ستعيش أخيرًا حياتها الطبيعية.

لكن بعد ساعات قليلة، اتصلت إدارة المدرسة لتخبره أن زهور قد اختفت من المدرسة، خرجت من البوابة راكضة بنفس السرعة المخيفة، ولم يستطع حتى حارس المدرسة اللحاق بها. عادت المأساة من جديد لهذه العائلة، لكن هذه المرة على نطاق أوسع بكثير: تحركت كل الجهات المعنية، شاركت طائرات الهليكوبتر في البحث بين الجبال، وخُصصت مكافآت مالية لمن يجد الفتاة. انتشر خبر قصة زهور على نطاق واسع، وبدأ كثير من الناس يدّعون رؤيتها في أماكن متفرقة.

استمرت هذه المطاردة الثانية لمدة عام وثمانية أشهر أخرى، حتى إن مجموعة من الشباب صادفوها ذات مرة وهي ترتدي عباءتها، فحاولوا اللحاق بها بسياراتهم لكنهم لم يفلحوا لشدة سرعتها.

وأخيرًا، وفي مناسبة عائلية أخرى بإحدى قرى الباحة، وبعد أن خفّت صخب الحفل، سمع أهل البيت مجددًا صوت فتاة قادمًا من حظيرة أغنامهم. ذهبوا فوجدوا زهور، عباءتها ممزقة، تتوسل النجدة. تواصلوا مع عائلتها عبر أرقام وجدوها في حقيبتها، فجاء أهلها وأخذوها إلى البيت، حيث أقسم الأب هذه المرة ألا تخرج ابنته من المنزل بمفردها مطلقًا طوال حياتها.

الزواج… ونهاية المسّ

بعد هذه العودة الأخيرة، تقدّم أحد مشايخ الدين الذين كانوا يقرؤون على زهور بطلب يدها للزواج، قائلاً لوالدها: “أعلم أن أحدًا لن يتقدم لابنتك خوفًا مما بها، لكنني مستعد أن أتزوجها وأعالجها بنفسي”. وافق الأب مطمئنًا، وتزوجها الشيخ فعلاً، واستمر في القراءة عليها ومعالجتها حتى شُفيت تمامًا، ولم يعد المسّ إليها بعدها أبدًا. أنجبت زهور طفلتين، وعاشت حياة طبيعية تمامًا، خالية من أي حادثة أخرى، والحمد لله.

قصة زهور من القصص المتداولة والمشهورة في المملكة العربية السعودية، ولها روايات ومصادر متعددة. اخترنا سرد ما وصلنا من تفاصيلها كما وردت، مع الإشارة إلى أن جزءًا منها قد يقبل تفسيرات عقلية أو نفسية، بينما يبقى جزء آخر خارج نطاق ما يمكن تفسيره — والله وحده أعلم بحقيقة الغيب.

للمزيد من المواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *