هذه قصة شاب يمني يُدعى محمد، من محافظة تعز، يروي فيها كيف سافر ذات ليلة عبر طريق ساحلي مجهول له، وكيف واجه فيه ما لم يكن يتخيله يومًا، في واحدة من أشد الليالي رعبًا التي عاشها في حياته.
البداية: طموح الدراسة وطريق طويل
تخرّج محمد من الثانوية العامة بمعدل مرتفع، وكان طموحه أن يدرس هندسة البترول. المشكلة أن هذا التخصص لم يكن متوفرًا في محافظة تعز، بل في محافظة حضرموت، على بُعد نحو 1500 كيلومتر. تحدّث محمد مع والده عن طموحه، فوافق الأب على شراء سيارة له (هايلوكس رباعية الأبواب)، على أن يعمل بها محمد كسائق أجرة لتغطية مصروفه الجامعي.
ودّع محمد أهله، وتوجه إلى حضرموت، وسجّل في الجامعة، وهناك تعرّف على شاب من محافظته نفسها يُدعى “صلح”، فنشأت بينهما صداقة قوية جدًا، لدرجة أنهما تقاسما السكن معًا، وكانا يعودان إلى تعز سويًا في كل عطلة عبر الطريق الصحراوي المعتاد — طريق طويل ومملّ.
طريق جديد… وتحذير لم يُؤخَذ على محمل الجد
سمع محمد وصلح بالصدفة عن طريق ساحلي أقصر من الطريق الصحراوي المعتاد. وبعد انتهاء الاختبارات، اقترح محمد على صديقه تجربة هذا الطريق الجديد في عودتهما لقضاء إجازة الشتاء.
لكن أحد زملائهما المقيمين في حضرموت حذّرهما بجدية: “لا أنصحكم بالمشي في هذا الطريق”. فقد وقعت فيه حوادث كثيرة، ويقول أهل المنطقة إن هذا الطريق فيه جن، وإن الحوادث ليست مجرد صدفة، بل تسبّبت بموت أصحابها فعليًا.
استغرب محمد كلام الزميل، وقال ساخرًا: “جن؟ أي جن؟ هذه كلها خرافات”. فانزعج صلح من رد فعل صديقه، وذكّره بأن الجن مذكورون صراحة في القرآن الكريم، وأنهم خلق مكلّف مثل الإنس تمامًا، منهم المؤمن ومنهم الكافر، وعاتبه على موقف بعض المثقفين الذين ينكرون وجودهم رغم ذكرهم الصريح في كتاب الله.
انطلاق الرحلة
تغدّى الشابان، وجهّزا نفسيهما للسفر عبر الطريق الجديد. مرّت الرحلة بمحافظتي شبوة وتعز، ودخل عليهما الليل وهما لا يزالان في الطريق. كانا يشغّلان شريط كاسيت للفنان اليمني الراحل أبو بكر سالم، والجو بارد جميل يليق بالشتاء، وهما يغنّيان مع الأغاني دون أن يدركا أنهما — كما وصف محمد لاحقًا — “يسافران مع الشيطان نفسه”.
بعد قرابة ساعة من السير في هذا الطريق الجديد الذي لا يعرفانه، بدأ محمد يلاحظ منطقة مهجورة تمامًا، خالية حتى من آثار عمران، والطريق مليء بالمطبات والحفر. اضطر لتخفيف سرعته، خصوصًا أنه تذكّر تحذير زميلهما عن الحوادث في هذا الطريق بالذات.
الشيخ وابنته
وبينما كان محمد يخفف السرعة ويقترب من قرية غريبة عن هذا الطريق تمامًا، نبّهه صلح فجأة قائلاً: “انظر، هناك رجل واقف مع ابنته على الطريق”. لمح محمد رجلاً كبير السن، واقفًا مع فتاة ترتدي عباءة، واضح من حجمها أنها صغيرة السن رغم أنه ظنها في البداية امرأة بالغة.
خفف محمد السرعة بسبب مطب كبير قرب الرجل، وخفض صوت الكاسيت احترامًا لكبر سنّه. سمعه الرجل ينادي: “يا ولد، خذوني إلى هذا المكان قليلاً، توفيت أمي، اتصلوا بي وأخبروني”. استغرب الشابان من كلامه: كيف تكون أم رجل بهذا العمر لا تزال على قيد الحياة حتى الآن؟ لكن محمد اقترح على صديقه أن يأخذاه، طلبًا للأجر وربما بعض الفائدة المادية أيضًا (أجرة الطريق). وافق الرجل بامتنان، وركب مع ابنته في السيارة.
رائحة غريبة… وموعظة من صلح
سارا في صمت احترامًا للرجل ولوجود ابنته معه. لاحظ محمد رائحة كريهة قوية جدًا، أشبه برائحة حيوان نافق، فنزّل زجاج نافذته بسببها. ظن في البداية أن الرجل ربما لا يتحمل الحر، فمدّ يده ليرفع صوت الكاسيت قليلاً تأدبًا معه، بدل أن يطفئه تمامًا.
انزعج صلح من هذا التصرف، والتفت لمحمد معاتبًا: “أما تستحي؟ الرجل فقد أمه للتو، ومعه ابنته أيضًا، احترم كِبَر سنّه”. استغرب محمد من حدّة رد فعل صديقه رغم أن صلح نفسه لا يمانع الاستماع للأغاني وقد لا يؤمن بالجن أصلاً في تلك اللحظة. أوضح صلح أن حسن الخُلق لا علاقة له بأخطاء الإنسان الشخصية، وأن الحكم على الناس من مظهرهم أو تصرفاتهم ليس من حقهم، بل الأمر متروك للخالق سبحانه. شعر محمد بالخجل من كلام صديقه، فمدّ يده وأطفأ الكاسيت تمامًا، وواصلا السير بصمت تام لمسافة كيلومتر كامل، دون أن ينبس أحدهما ولا حتى بكلمة همس.
الكاسيت الذي يعمل بمفرده
كان الطريق مظلمًا موحشًا تمامًا، لا سيارة تمرّ عليهما، وهما محاطان بغرباء لا يعرفان عنهم شيئًا، في برد الشتاء وظلمة الليل. فجأة، لاحظا أن جهاز الكاسيت — رغم كونه بحالة جيدة في سيارة حديثة الموديل — بدأ يعمل من تلقاء نفسه. ظنّا أنه عطل كهربائي أو ماس كهربائي، فأطفأه محمد، لكنه عاد يعمل للمرة الثانية، ثم للثالثة، وهذه المرة كان الصوت يرتفع تدريجيًا دون أن يلمسه أحد إطلاقًا.
استغرب الشابان بشدة كيف يرتفع الصوت من تلقاء نفسه. وخلال تلك الدقائق الخمس، لاحظ محمد عبر المرآة أن صلح أصبح ملتصقًا بباب السيارة تمامًا، وكأن أحدًا يحشره من جانبه. سأله محمد: “إيش فيك؟”، لكن صلح لم ينبس بكلمة، فقط كان يحدّق بعينين مرعوبتين واسعتين. ظن محمد أنه ربما يشعر بالاختناق من الرائحة، فطلب منه فتح النافذة أكثر، لكن صلح ظل مسمّرًا في مكانه، عيناه مفتوحتان على اتساعهما، محدّقًا في المرآة نحو الرجل وابنته الجالسَين خلفهما — وكلاهما، بحسب ما رآه محمد لاحقًا، كانا ثابتين تمامًا كالتماثيل، لا يتحركان، لا يرمشان، بل يبدو وكأنهما لا يتنفسان إطلاقًا.
طريق فرعي… ونزول غامض
تكلم الرجل أخيرًا، وطلب من محمد أن ينعطف في شارع فرعي أشد ظلمة من الطريق الساحلي نفسه. واصل محمد السير حتى وصل لمكان مقطوع، لا طريق بعده. طلب الرجل التوقف هناك. استغرب محمد: لا قرية، لا بيت، لا شيء حولهم على الإطلاق. سأله أين يريد أن يُنزله بالضبط في هذا المكان المقطوع، فأجاب الرجل ببساطة: “سأمشي إلى أهلي من هنا”.
نزل الرجل وابنته، أغلق الباب، ومشيا سيرًا على الأقدام في العراء المظلم، دون أن يدفع أجرته حتى. فكّر محمد أن يذكّره، لكنه تراجع، ظانًا أن الرجل ربما نسي بسبب حزنه على وفاة أمه، وقال لنفسه إن الأهم أن يتحركا من هذا المكان. وفي اللحظة التي هَمّ فيها محمد بتحريك السيارة، شهق صلح شهقة قوية جدًا من الخوف، وقفز من مكانه. سأله محمد ماذا حدث، فأجابه صلح بصعوبة بالغة، مرتجفًا: “الرجل… كان جالسًا هنا بيني وبينك طوال الطريق”. اتضح حينها أن صلح كان يشعر طوال الرحلة بوجود الرجل ملاصقًا له فعليًا، برائحته الخانقة التي لا تُطاق، لدرجة أنه بالكاد استطاع الكلام أو التنفس.
اللقاء الثاني على الطريق
واصلا السير باتجاه تعز، والكاسيت يعمل بصوت أعلى هذه المرة، والطريق لا يزال صحراويًا مقطوعًا، بلا سيارات ولا بيوت لمدة ربع ساعة كاملة. وفجأة، شاهدا الرجل وابنته نفسيهما واقفين على الطريق أمامهما، يشيران بأيديهما. أُصيب محمد بالفزع، فلم يتوقف، بل خفّف صوت الكاسيت وواصل السير مسرعًا. بدأ صلح يصرخ: “لا توقف! لا توقف! هذول من الجن!”، وهو يتعوّذ من الشيطان بصوت مرتفع. أسرع محمد بالسيارة أكثر.
المشهد الأكثر رعبًا
نظر محمد في المرآة، فرأى شيئًا أسود فوق حوض السيارة الخلفي. طلب من صلح أن يلتفت ويرى ما الأمر. التفت صلح، وصرخ بصوت عالٍ: إنه الرجل نفسه الذي أنزلاه قبل قليل، جالسًا فوق حوض السيارة، وعباءته تتطاير مع الهواء بسرعة السيارة. وبينما كان محمد مذعورًا ينظر في المرآة، اصطدم بحفرة كبيرة في الطريق، فانفجر أحد إطارات السيارة من قوة الضربة.
لم يستطع محمد إيقاف السيارة فورًا، فواصل السير قليلاً حتى تمكن من ضبطها، ثم اضطر للتوقف على جانب الطريق — لا شيء حولهما سوى الظلام الدامس، فالليلة لم تكن ليلة بدر، وكانت العتمة تامة تمامًا. جلسا في السيارة، النوافذ مغلقة تمامًا، يقرآن القرآن بصمت رعب لمدة عشر دقائق كاملة، غير قادرين على التفكير بشيء آخر.
تغيير الإطار في الظلام
بعد لحظات من الصمت، قال صلح: “يجب أن نتخلص من هذا الموقف”، واقترحا تغيير الإطار المنفجر بالإطار الاحتياطي (السبير). كان محمد يعلم أن هذا الطريق معروف أيضًا بقطّاع الطرق والجماعات المسلحة، فأراد الإسراع.
وما إن هَمّا بالنزول من السيارة، حتى سمعا صوت طرق قوي على الزجاج الخلفي. ارتعبا، وبدآ يستعيذان من الشيطان بصوت مرتفع، ويقرآن آية الكرسي. حاول محمد تشجيع نفسه وصديقه، مقنعًا إياهما أنه ربما مجرد صوت الرياح أو شيء تدحرج فوق السيارة. نزلا أخيرًا، ومحمد يستخدم إضاءة هاتفه المحمول للتفتيش تحت السيارة عن أي كسر أو ضرر قبل تغيير الإطار.
وبينما كان محمد تحت السيارة، لمح رجلين (قدمين) واقفتين على الجانب الآخر من السيارة، ظنهما قدمَي صلح، فناداه: “تعال يا صلح”، لكن صلح كان في الحقيقة واقفًا بجانب قدمَي محمد نفسه، لا على الجانب الآخر. خرج محمد من تحت السيارة مذعورًا، وشاهد الاثنان معًا تلك القدمين الغريبتين الواقفتين على الجانب الآخر، بلا أي جسد أو رأس ظاهر فوقهما. سأل صلح محمدًا إن كان قد رأى شيئًا، فأجابه أنه لم يرَ سوى القدمين. تعوّذا وقرآ المعوذتين، وقررا الإسراع لإنهاء المهمة. عاد محمد تحت السيارة لتغيير الإطار رغم خوفه الشديد، ولاحظ في لحظة أن القدمين تحركتا حول السيارة بطريقة غير طبيعية، وكأنها مرّت من فوقه مباشرة دون أن تمشي بشكل بشري معتاد.
العودة إلى الطريق
أنهيا تغيير الإطار بسرعة، وركبا السيارة فورًا، ويدا محمد ترتجفان بشدة. شغّل الكاسيت بصوت مرتفع، وواصلا السير في صمت رعب تام. بعد حوالي ربع ساعة، بدأت الرائحة الكريهة تعود تدريجيًا، ولاحظ محمد وهو يبدّل السرعة أن يده تلامس يدًا أخرى ممسكة بعصا التحكم، ملمسها أشبه بقشور السمك. استمر يتعوّذ من الشيطان ويحاول التركيز على القيادة.
كان صلح يلتفت للخلف بين الحين والآخر بخوف، حتى صرخ فجأة: “رجعت! رجعت!”، مشيرًا إلى حوض السيارة الخلفي، حيث رأى ابنة الرجل واقفة هناك، وعباءتها تتطاير مع الهواء رغم سرعة السيارة — منظر بالغ الرعب. نظر محمد عبر المرآة فرأى المنظر نفسه، وبدأ يصرخ ويقرأ القرآن بصوت عالٍ من شدة الفزع.
الوصول أخيرًا
اقتربت الساعة من الثالثة فجرًا، ووصلا لمفترق طرق، فيه قرية على اليمين ومحطة وقود. توجّها فورًا نحوها، وأوقف محمد السيارة دون حتى أن يطفئ محركها، ونزلا مسرعين إلى بقالة صغيرة داخل المحطة. لاحظ العامل هناك الخوف البادي في عيونهما، فقال: “الحمد لله على سلامتكم، لكن من أين أتيتم عبر هذا الطريق؟”، وأخبرهما أن هذا الطريق معروف محليًا بأنه مسكون بقرى وقبائل من الجن على نطاق واسع، وأن أحدًا لم يسلكه ليلاً منذ سنوات طويلة.
روى محمد للعامل القصة كاملة من بدايتها، حتى حان وقت صلاة الفجر. صلّيا هناك، وانتظرا طلوع النهار، ثم أكملا طريقهما إلى تعز. بقيا هناك أيامًا للراحة، وسألا كبار السن لاحقًا عن هذا الطريق، فأكد لهما الجميع تقريبًا معرفتهم به، وأن لا أحد ينصح بالسير فيه ليلاً. قررا حينها ألا يسلكاه مرة أخرى أبدًا.



