ساحرة القريات: الحكاية الكاملة لامرأة أخفت السحر خلف ستار الصلاح
بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تخيّل معي شخصًا يمشي بين الناس وهو أقرب ما يكون إلى شيطان في هيئة إنسان — يتلو آيات قرآنية بلسانه علنًا، بينما يمارس خلف الستار أبشع أنواع السحر والشعوذة، مستغلاً طيبة الناس وثقتهم العمياء. هذه قصة امرأة كانت كذلك بالضبط، وكيف انكشف أمرها في النهاية.
البداية: قصة حب في القاهرة
في عام 2006، سافر تاجر سعودي يُدعى سعود مع أصدقائه إلى مصر لقضاء إجازة أسبوعية، على أمل العودة بعدها إلى المملكة. لم يكن يعلم أن هذه الرحلة ستغيّر مجرى حياته بالكامل.
في أحد الأيام، وبينما كان جالسًا في أحد الأماكن، وقعت عيناه على فتاة مصرية جميلة تجلس في نفس المكان. تبادلا نظرات الإعجاب، ثم ابتسامات خجولة، وفي اليوم التالي وجد سعود نفسه يعود لنفس المكان، فوجدها هناك أيضًا. تكرر الأمر في اليوم الثالث، حتى أدرك الاثنان أن هذا لم يعد صدفة، بل شيئًا أعمق بدأ يتشكل بينهما.
في اليوم الرابع، جمع سعود شجاعته وتحدث إليها. تعرّف على اسمها — أمينة — فتاة من عائلة متواضعة، لا هي غنية ولا فقيرة. بدآ يتحدثان يوميًا، وظلا على تواصل حتى اقترب موعد عودة سعود إلى السعودية. لكنه فاجأ أصدقاءه بقراره: “ارجعوا أنتم، أنا سأبقى هنا في مصر”. كان قلبه قد تعلّق بها تمامًا.
مدّد سعود إقامته في مصر، وصار يزورها يوميًا، حتى فاتحها يومًا بموضوع الزواج. فرحت أمينة فرحًا غامرًا في البداية، لكن فرحتها انقلبت فجأة إلى بكاء حارّ أمامه.
اعتراف أمينة
استغرب سعود دموعها المفاجئة، وسألها عن السبب. اعترفت له أنها كانت متزوجة من قبل، وأن هذا لن يكون زواجها الأول. طمأنها سعود على الفور أن هذا لا يغيّر شيئًا من حبه لها، وأنها لن تكون “امرأة أولى” أو “أخرى” في نظره، بل هي هي، بصرف النظر عن ماضيها.
لكن بكاءها ازداد بدلاً من أن يهدأ. كانت هناك حقيقة أخرى أثقل عليها: لم تكن تستطيع الإنجاب، وهذا ما تسبب في انهيار زواجها الأول. أخبرته أنها حاولت العلاج مرارًا دون جدوى.
لم يتردد سعود. كان تاجرًا ميسور الحال، وقال لها ببساطة: “الإنجاب بيد الله وحده، وأنا أحببتك كما أنت”. تقدّم لخطبتها رسميًا، ووافقت عائلتها بسرعة، وتزوّجا بالفعل. أقاما في مصر شهرين بعد الزواج، ثم قال لها سعود: “جهزي نفسك، راح أخذك معي بالروح، بروحي إلى منطقتي بشمال المملكة العربية السعودية — القريات”.
حياة الرفاهية… وحلم واحد بعيد المنال
عاش الزوجان في القريات حياة مرفّهة، إذ كان سعود تاجرًا ناجحًا لا يقصّر معها في شيء: ذهب، أموال، وكل ما تتمناه امرأة. لكن وسط كل هذا الرغد، ظل هناك حلم واحد بعيد المنال يشغل تفكيرها ليل نهار: طفل من سعود.
جرّبت أمينة كل شيء: بدأت بالأطباء، فلم تنجح، ثم اتجهت للطب الشعبي — أعشاب، أملاح خاصة، جلسات تدليك — كل هذا دون فائدة تُذكر. حتى جاءت إرادة الله بطريقة أذهلت الجميع: حملت أمينة رغم كل المحاولات الفاشلة، ورغم أنها لم تحمل طوال زواجها الأول.
فرح سعود فرحًا لا يوصف، وأرجع الفضل كله إلى الله وحده، لا إلى أي علاج جربته. وُلد الطفل بسلام.
من “امرأة محظوظة” إلى “صاحبة كرامات”
لكن السؤال الذي بدأ يتردد بين الناس: كيف حملت أمينة بعد كل تلك المحاولات الفاشلة، وبعد أن عجزت طوال زواجها الأول؟ بدأت الشائعات تتشكل: ربما تملك “كرامات” خاصة.
بدلاً من أن تنفي هذا الكلام، وجدت أمينة نفسها منجذبة إليه. استغلت الخبرة التي اكتسبتها من احتكاكها الطويل بالطب الشعبي أثناء رحلة علاجها، وبدأت تقدّم نفسها كامرأة تملك “كشف المستور” وعلمًا بالغيب.
في البداية، عارض سعود هذا الكلام بشدة، واتهمها بأنها لا تزال تحت تأثير مرحلة الولادة، وأن هذا الكلام يخالف ما تعلمته أصلاً من الطب الشعبي المعروف. لكنها أصرّت، وأخبرته بحملها الثاني كدليل إضافي على “بركتها”، فاقتنع تمامًا. ومن رجل متعلم ومثقف، صار سعود نفسه يروّج بين الناس أن زوجته تملك كرامات وعلمًا بالغيب.
كانت المنطقة في ذلك الوقت بسيطة، وأهلها بسطاء، فصدّق كثيرون. بدأ الناس يقصدون أمينة، فتقدّم لهم خلطات شعبية بسيطة — عسل، قيمر، زعتر — مغلّفة بكلام غامض من نوع “هذا الشخص قريب منك” أو “خل شوفان وشوان براعصي”. انتشر اسمها، وصار الناس يذهبون إليها للعلاج والاستشارة، رغم أنها لا تملك أي خلفية حقيقية في الطب الشعبي أو الرقية الشرعية.
من الاحتيال البسيط… إلى السحر الحقيقي
مرت السنوات، وازدهر “عمل” أمينة، حتى جاء يوم أخبرها فيه سعود بخبر صادم: كان مديونًا بمبالغ ضخمة، ومصنعه — مصدر رزقهم — مهدد بالإغلاق بسبب الغرامات والديون المتراكمة.
خافت أمينة بشدة من فقدان الثروة والرفاهية التي اعتادت عليها، وقررت أن تفعل أي شيء لمنع ذلك. فاجأت سعود ذات يوم بورقة مكتوب عليها أسماء كتب، وطلبت منه إحضارها لها. حين سألها عن سبب حاجتها لهذه الكتب تحديدًا، أخبرته بصراحة: كانت كتب سحر.
صُدم سعود ورفض بشدة في البداية، خائفًا أن تتحول زوجته إلى ساحرة فعلاً. لكنها طمأنته: “هذه مجرد لعبة نضحك بها على الناس، لنعوّض ما خسرناه”. اقتنع في النهاية، وأحضر لها الكتب.
بدأت أمينة تمارس السحر فعليًا تحت غطاء “قراءة القرآن وتحضير الخلطات”، وتقاضت أموالاً من كل من يقصدها. تزايد عدد زبائنها بشكل كبير، رغم تحذير بعض الناس لسعود من أن زوجته قد لا تكون كما تبدو. ثم بدأ سعود يلاحظ أمورًا مقلقة في بيته: طيور وحيوانات مذبوحة بطرق غريبة. حين سألها، أخبرته أن هذه “أضاحٍ” يطلبها الناس لرفع الحسد عن دعواتهم — تبريرًا دينيًا ظاهريًا لممارسات مظلمة فعليًا.
بدأ جيران المنزل يشتكون باستمرار من أصوات صراخ نسائية بالليل، وأشخاص يُشاهدون يتحركون فوق سطح المنزل في أوقات غريبة قرب الفجر، فيما كان سعود ينفي وجودهم في البيت وقتها.
ليلة اكتشاف مريم
في شهر مايو من عام 2011، فوجئت أمينة بطرق عنيف على باب بيتها. فتحت الباب بنفسها، فوجدت طفلة صغيرة، بين التاسعة والثانية عشرة من عمرها، تُدعى مريم، تبكي بحرقة، وخلفها سيارة تنتظر.
احتضنتها أمينة، وأخبرتها مريم بين دموعها أن والدتها قد توفيت للتو، وأنهم بحاجة لمساعدتها في تغسيلها — إذ كانت أمينة معروفة في المنطقة بأنها امرأة صالحة تساعد في تغسيل وتكفين الموتى دون مقابل، طلبًا للأجر من الله وحده.
ذهبت أمينة معهم إلى بيت مريم البسيط، حيث كان الجو حزينًا مليئًا بالمعزّين. دخلت الغرفة التي كانت فيها المتوفاة، محاطة بابنتيها وخالة مريم، لكن أمينة طلبت من الجميع الخروج بصوت حازم غير معتاد — بمن فيهم مريم وخالتها، رغم أن العادة أن يبقى أحد الأقارب لمساعدة المغسّلة. حين تردّدتا، أصرّت أمينة بغضب وأخرجتهما بالقوة، ثم أغلقت الباب بالمفتاح من الداخل.
استغرب الحاضرون في البداية، لكنهم رجّحوا أن أمينة تريد فقط خصوصية وهدوءًا لأداء عملها والدعاء للمتوفاة دون إزعاج، فلم يعترضوا.
ما رأته مريم من النافذة
لم تقتنع مريم الصغيرة بهذا التبرير. خرجت إلى المزرعة الصغيرة خلف المنزل، ووجدت فتحة صغيرة أو نافذة تطلّ منها على الغرفة التي كانت فيها والدتها. أرادت فقط أن تطمئن على ما يحدث.
في البداية، طمأنها ما رأته: أمينة تقرأ القرآن وتؤدي عملها بشكل طبيعي تمامًا. لكن فجأة، مدّت أمينة يدها إلى حقيبة كبيرة كانت قد أحضرتها معها، وأخرجت منها كتابًا، وأوراقًا مقطعة، وكرات صغيرة من الصوف. بدأت تكتب شيئًا بسرعة على الورق، تلفّه بالصوف، وتضعه حول جسد المتوفاة استعدادًا للتكفين.
فزعت مريم وهربت من مكانها، لكنها كانت خائفة جدًا لدرجة أنها لم تستطع إخبار أحد فورًا. أنهت أمينة عملها، خرجت من الغرفة، وواسّت أهل المتوفاة، ورفضت أي مقابل مالي عُرض عليها — كما كانت عادتها دائمًا في تغسيل الموتى تحديدًا، حفاظًا على صورتها كامرأة صالحة لا تطلب مقابلاً.
حاولت مريم لاحقًا فحص الكفن بنفسها، لكن الحاضرين أبعدوها بالقوة معتقدين أنها تتصرف بدافع صدمة فقدان والدتها، لا أكثر.
اعتراف مريم لخالتها
ظلت مريم صامتة، مهمومة بما رأته، طوال أيام العزاء. بعد انتهاء فترة العزاء، وحين وجدت وقتًا هادئًا مع خالتها — أقرب الناس إليها — انهارت وأخبرتها بكل شيء: “أمينة ساحرة”.
صُدمت الخالة في البداية، وحاولت طمأنة مريم بأن ما رأته ربما كان أوراق رقية شرعية مخصصة لتغسيل الموتى، وأن الصوف قد يُستخدم في عملية التغسيل نفسها. لكن مريم أصرّت على ما رأته، وازداد انزعاجها من عدم تصديقها.
نقلت الخالة لاحقًا القصة كاملة لزوجها. استغرب الزوج تفاصيل الطريقة — كانت مختلفة تمامًا عن أي تغسيل اعتيادي شهده من قبل. قرر استشارة شخص أكثر خبرة، فذهب بعد صلاة العصر لإمام المسجد وحكى له ما سمعه.
المراقبة والدهم
استغرب الإمام هو الآخر، وطلب مهلة قبل إعطاء رأي قاطع. أخذ عنوان بيت أمينة، وبدأ يراقبه سرًا لعدة أيام. رأى أعدادًا كبيرة من الناس يدخلون ويخرجون من المنزل، وسمع من الجيران عن أعشاب وممارسات غريبة. اقتنع الإمام تمامًا: “هذه ساحرة، مئة بالمئة”، وقرر عدم المجازفة بنفسه، فأبلغ رجال الأمن مباشرة.
راقبت الشرطة المنزل لمدة يوم إضافي، ثم داهمته. وجدوا أشياء لم يسبق لأحد أن رآها من قبل: غرفًا مزينة ظاهريًا بآيات قرآنية ومصاحف لإيهام الناس بأنها حِلَق لتحفيظ القرآن، بينما كانت في الحقيقة تُستخدم لاصطياد الضحايا. وفي غرف أخرى: جلود حيوانات، كتب سحر، عُقد ومسامير، كرات صوف، وصور أشخاص مكتوب عليها أسماؤهم وأسماء أمهاتهم، مع كلمات مخيفة مثل “تفريق” و”سرطان” مكتوبة عليها. كانت رائحة الغرف كريهة أشبه برائحة الموت.
القبر الذي أُعيد فتحه
اعتُقلت أمينة، وتوجهت السلطات إلى قبر والدة مريم بناءً على شهادتها. وبالفعل، عثروا داخل حاشية الكفن على كرات الصوف التي رأتها مريم — أربع كرات، كل واحدة منها تحتوي على ورقة مكتوبة ومسامير، وواحدة منها كانت تحوي صورة شاب من سكان المنطقة نفسها، مكتوبًا عليها كلمات تعني “الجنون والضياع”.
حين عرضوا الصورة على الناس، تعرّف عليها أهل المنطقة فورًا: كان شابًا حقيقيًا أصيب فعلاً بحالة اختلال عقلي غير مفسّرة منذ فترة، وترك عمله وحياته دون سبب واضح — ولم يكن أحد يعرف أن وراء معاناته سحرًا مدفونًا مع جثة في قبر.
اعتراف أمينة الكامل
خلال التحقيق، اعترفت أمينة بقصتها كاملة: كيف التقت بسعود وتزوجته، وكيف بدأت كل القصة كعملية احتيال بسيطة قبل أن تتحول فعليًا إلى ممارسة سحر حقيقي استمرت أربع سنوات. أوضحت أنها لم تكن تعرف في البداية كيف “تدفن” السحر بشكل آمن وفعّال — أحيانًا كانت تدفنه في أماكن مكشوفة، وأحيانًا داخل جثث حيوانات — حتى اهتدت إلى فكرة دفنه مع الموتى، معتقدة أن هذه أقوى طريقة لتحصينه من الإبطال، بما أنه “لا يوجد بحر أو مكان يمكن لأحد أن يستخرج منه شيئًا مدفونًا مع ميت”. من هنا استغلت مهارتها في تغسيل الموتى — التي تعلّمتها خصيصًا لهذا الغرض، لا من باب الصلاح كما ظن الجميع — لتدفن سحرها بأمان داخل قبور موتى لا علاقة لهم بالأمر إطلاقًا.
أما عن زوجها وابنها، فقد حرصت العائلة على حماية خصوصيتهم، ويُقال إن سعود طلّقها قبل اعتقالها بعدما تأكد من حقيقة ما كانت تفعله.
الحكم
تحوّلت القضية إلى رأي عام واسع في المملكة، وصدر الحكم عليها بموجب الأنظمة المعمول بها في البلاد. وبتاريخ 12 ديسمبر 2011، نُفّذ الحكم.
ملاحظة مهمة: القضية الأساسية في هذه القصة حقيقية وموثقة — امرأة سعودية أُعدمت في منطقة القريات بمنطقة الجوف في ديسمبر 2011 بتهمة “ممارسة السحر والشعوذة”، وهي قضية أثارت وقتها جدلاً وانتقادات من منظمات حقوقية دولية. أما التفاصيل الشخصية المروية هنا (قصة الزواج في مصر، رحلة العلاج من العقم، اكتشاف الطفلة مريم) فهي من نوع الروايات المتداولة والمتناقلة حول القضية، ولا تستند بالضرورة إلى مصادر رسمية موثقة لكل جزئية فيها — وهذا شائع في كثير من “القصص الحقيقية” المتداولة حول قضايا مشابهة.



