فايثون وسول ومركبة الشمس

ووضعت إيو ابناً هو إيبافوس يقال إنه كان ثمرة اجتماع جوبيتر بها، ونجد معابده تقام إلى جوار المعابد التي لأمه. وكان فايثون ابن سول أشبه بإيبافوس طبعاً وأقرب إليه سناً، غير أنه كان معتزاً بأبيه سول، فجرّه ذلك يوماً إلى الزهو على إيبافوس الذي لم يعد يحتمل هذه الخيلاء فقال له: «أيها المخدوع يا من وثق بكل كلمة تقولها له أمه، ويا من أوهموك فاصطنعوا لك أباً عزوك إليه». فاحمرّ وجه فايثون خجلاً وكتم غيظه في نفسه، وسارع إلى أمه كليمني وأخبرها بما قال له إيبافوس، ثم أردف قائلاً: «جديرٌ بك أن تألمي لما أصابني من هوان، وإنه لعزيز عليّ أن ينالني ما نالني وأنا صامت لا أفوه بكلمة، فقد كنت أخشى أن يكون إيبافوس صادقاً فيما رماني به، وعليك أنت وحدك إن كنت حقاً من السماء انحدرت أن تعطيني الحجّة على ذلك. عندها سوف نمسح عنا معاً هذا العار الذي لحقنا». وانكفأ على أمه يطوّق جيدها بذراعيه، ويستحلفها بحقّه وحق ميروبس وبشعلات أفراح أخواته ألا أخبرته عن أبيه من هو؟ وأحفظت هذه الكلمات كليمني وأثرت في نفسها توسلاته، واتجهت إلى قرص الشمس الوضاء رافعة ذراعيها في الفضاء لِتُقْسِم وتقول: «أُقْسِم لك يا بنيّ بحق هذا الكوكب الذي يبهرنا بضوئه والذي هو على ما أقول شهيد، إنك ابنٌ سول هذا الذي يسمعنا ويرانا والذي إليه مدار حياة العالم. وإن كنت كاذبة فلتغش الشمس على بصري فلا أعود أتطلّع إليها، ولتكن هذه نظرتي الأخيرة إليها. وما عليك يا بنيّ كي تعرف أسلافك إلا أن تمضي غير بعيد حيث موطن سول الواقع على حدود بلادنا فتسأله عن كل ما تريد». وملأ الاطمئنان قلب فايثون وعمّه الفرح عند سماعه قولها، وإذا هو فوق الأثير يقصد ذلك المكان الذي يطلع منه أبوه، مجتازاً إثيوبيا موطن شعبه، وبلاد الهنود القريبة من قرص الشمس الملتهب.

كان قصر الشمس شامخ الأوردة متألّقاً ببريق ذهبه وبرونزه وأسطحه العاجية المصقولة، تنعكس الأضواء من أبوابه الفضية ذات المصراعين التي كانت صنعتها أكثر قيمة من جوهرها، فقد نقش فولكانوس فوقها البحار وهي تضم الأرض بين أحضانها ومن فوقها السماء. وفي خضم الموج ظهر : تريتون الشادي، وبروتيوس ذو الأشكال المختلفة، وأيجايون المتكئ بذراعيه على ظهر حُوتَيْن، ودوريس وبناتها بين سابحة في الماء أو ممتطية ظهر سمكة أو جالسة على صخرة تجفف شعرها الذي كساه البحر من زرقته، وكُنَّ على الرغم من تخالُف ملامحهن يربط بينهن ما يشبه الأخوة. وظهرت فوق الأرض جماعات البشر والمدن والغابات والوحوش والأنهار والحوريات وجنيات الريف، تُظلّهم جميعاً السماء ببروجها الإثني عشر، ستّة على المصراع الأيمن للباب، والأخرى على مصراعه الأيسر.

وأصعد ابن كليمني إلى قصر سول وهو يسائل نفسه أية قرابة تلك التي بينه وبين سول؟ ويتقدّم إلى أبيه، غير أنه لم يقو على أن يقترب منه فقد بهره بحدّة نوره. وكان سول جالساً في ثوب أرجوان على عرش يتألق بزمردِه، واصطفت إلى جانبه على مسافات متساوية بنات الزمن: «اليوم» و«الشهر» و«السنة» و«القرون» و«الساعات». وهناك أيضاً كان الربيع الغضّ مكلّل الرأس بالزهور، والصيف الأجرد حاملاً سنابل القمح بيمينه، والخريف بقدميه المبللتين بعصير الكَرْم الأرجوان الذي هرسه، والشتاء القارس الأشهب بخصلات شعره البيضاء.

وتملّكت الصبيَّ رِعْدَةٌ ذُهْلاً من غرابة ما يراه، واستدار إليه سول وهو في جلسته بين حاشيته وحدجه بعينه التي ترى كل شيء، وسأله: «فيم جئت؟ وما قصدك من زيارة هذه القلعة يا فايثون، يا من لا يَقْوَى أبُوكَ على أن ينكر بنوّتك»، فأجابه قائلاً: «أبي، يا سول المجيد، يا من يَهَأُ كل ما في الكون الفسيح بضوئك، إذا كنت قد أجزت لي أن أناديك «أبي»، وإذا كانت كليمني لا تكذبني ولا تُخفي عني أسرار خطيئة ارتكبتها، فَلْتُقَدِّمْ لي دليلاً على صدقها وبرهاناً يُثبت بنوتي لك ويُبَدِّد كل شكوكي».

وما إن انتهى من كلماته حتى طرح الأب عن رأسه وهج أشعته وسأل ابنه أن يقترب منه، وما كاد يفعل حتى احتضنه قائلاً: «إنك حقيق بأن تكون ابناً لي، وقد صدقتك كليمني فيما حدثتك به عن نسبك، وسوف أستجيب إلى أي طلب لك كي أبدّد شكوكك مُشْهِداً على ذلك تلك البحيرة التي يُقْسِم عندها الملوك والتي لم يقع عليها بصري قط».

وأسرع فايثون فطلب من أبيه أن يتخلّى له يوماً عن مركبته ليركبها ويدفع خيولها المجنّحة الأقدام. عندها ندم سول على وعده، وهزّ رأسه المتألقة مرات ثلاث، وقال: «إن استجابتي لطلبك تكشف عن اندفاعي وتسرّعي، وكم وددت لو نقضْتُ ما وعدت. ولتعلم أن هذا الذي تطلبه مني هو ما أباه عليك وأحول دونك ودونه، فأنت مُقْدِمٌ على عمل خطير تُقَصِّرُ عنه قوتك ويعجز عنه شبابك الغضّ. وهل أنت غير بشر، وما في قدرة البشر الفاني فِعْلُ ما تريد، وإن جهلك بالأمور هو الذي يجعلك تطمع فيما لا يناله الملوك أنفسهم، فهم على ما بلغوا من قوة لا يشاركونني ارتقاء هذه المركبة النارية التي لا يقوى على قيادتها كبير الأوليمبوس نفسه رغم بأسه وامتلاكه الصواعق بطوّح بها بيده العاتية، فمن تراه يفوق جوبيتر قوة؟ والخيل لا تقوى على ارتقاء الطريق الصاعد إلا بجهد حتى في الصباح وهي ما تزال في عنفوانها، وكم أُصَابُ أنا بالهلع ويخفق قلبي حين تبلغ المركبةُ سمْتَ السموات العليا وأطل على الأرض والبحار. ثم إن الطريق ينحدر هابطاً بعد ذلك فتغدو قيادة الخيل في حاجة إلى يد قوية وصلابة وثبات، وما أكثر ما كانت تيثيس التي تستقبلني في مياهها تخشى أن أسقط من عَلُ. هذا إلى ما كان يعتمل في السماء من حركة أبدية تدفع بها النجوم في دوراتها العجلة في الأفلاك. وكان عليّ أن أشق طريقي وسطها دون أن تهوى بي عند صدامها بي، فأنا وحدي القادر على السير ضد مدار الكواكب الدائرة في أفلاكها. وماذا تملك أن تفعل أنت لو أسلمتك المركبة؟ أتراك قادراً على الصمود أمام دورة القطبين العنيفة دون أن تقذف بك بعيداً قُبَّةُ السماءِ الدوّارة؟ هل تخال السماء ملأى بالغيضات المقدّسة والمُدُنِ السماوية والمحاريب التي تفيض ثراءً؟ ما أبعد ذلك عن الواقع يا بنيّ، إن عليك أن تشق طريقك وسط شراك خطرة وحيوانات ضارية، ولو قُدِّر لك أن تسلك طريقك السويّ دون أن تنحرف هنا وهناك، فسوف يكون عليك أن تتجنب قرني برج «الثور» الخطير وقوس برج «الرامي»، وأنياب الأسد الهائج، وأذرعة العقرب التي قد تُطْبِق عليك من ناحية على حين تهددك أذرعة السرطان من ناحية أخرى. ثم كم ستثقل عليك قيادة خَيْلي حين تشتعل النيران المختزنة في صدورها وتنفثها من خطمها وخياشيمها، فهي لا تكاد تطيع كفّي ساعة تثور حماستها ولا تستسلم رؤوسها لأعنتي. إنني أحذّرك خشية أن يكون في استجابتي لطلبك ما يجرّك إلى الهلاك، وإن الفرصة لاتزال سانحة بين يديك أن تطلب ما تشاء عوضاً عما منحتك إياه مما ينفعك. فليس ثمة دليل على أُبُوَّتِي لك أوضح من لهفتي عليك، وخوفي عليك شاهد أُبُوَّتي، فلتتطلّع إلى وجهي لعل عينيك تستطيعان النفاذ إلى أعماقي ورؤية ما يختلج فيها من قلق عليك. تلفت إلى خَيْرَاتِ الكون حولك وتَشَّ ما شئت من طيبات الأرض أو البحار أو الأجواء فلن أضَن عليك بشيء منها، واعلم أني لن أرجع عما وعدت به، غير أنه لن يكون تكريماً لك بل عذاباً تشقى به. فيم إذن معانقتك لي تستعطفني وأنت لا تعي كُنْه طلبتك؟ ولكن على الرغم من هذا فلا تخش ألا أحقق لك ما طلبته فقد أقسمت على الوفاء بنهر ستيكس، ولكني أريد منك أن تنعم النظر فيه».

وضرب الابن بتحذيرات أبيه ونصائحه عرض الحائط، فقد كان توّاقاً إلى قيادة مركبة الشمس. وحين أحسّ الأبُ ذهابَ محاولاته عبثاً في أن يُثْنِيَ ابنه عن عزمه أخذه إلى مركبته الهائلة التي صنعها له فولكانوس وصاغ من الذهب محاورها وعريشها وأطر عجلاتها، كما جعل أقطار العجلات من الفضة، ووشّى نيرها بالزبرجد، ورصّ بها صفوفاً من الجواهر تُرسل بريقاً حين ينسكب عليها ضوء سول.

وحين أخذ فايثون الطَّمُوح تتحسس أجزاء المركبة في إعجاب كانت «أورورا» المشرقة قد بدأت تفتح في أقصى الشرق أبواب قاعاتها المترعة بالورود، فانسلّت النجوم تدفع صفوفها الطويلة نجمة الزهرة التي كانت آخر من تركت مكانها في السماء. وما إن رآها سول تغرب مع قرني القمر وسط السماء وردية حتى أمر بنات «الساعات» السريعة الخُطَى بشَدّ الجياد إلى النير، فاستجابت «الساعات» لأمره وأخرجت الجياد من الحظائر السماوية، تنفث اللهب مُتَخَمَةً بما التهمت من الأمبروزيا [طعام السماويين]، وربطتها إلى المركبة.

فايثون يقود عربة الشمس
فايثون يقود عربة الشمس

وطلى الأب وجه ابنه بدهن مقدس كي يُعينه على احتمال وهج النيران، وتوّج رأسه بحزمة من أشعة الشمس، وأطلق زفرة عميقة كشفت عما يترقبه من فجيعة محزنة، وقال: «فلتطع نصائح أبيك ما استطعت. كن مترفقاً في استعمال السوط، واقبض على الأَعِنَّة بكل ما تملك من قوة، ودع الجياد تمضي في عَدْوِها فالويل لك إن هي أبطأت، وتجنّب الطريق المستقيم المار بمناطق السماء الخمسة، واتبع الطريق المنحدر الدائري الفسيح المار خلال مناطق الكون الثلاثة الوسطى متجنباً القطبين الشمالي والجنوبي وعواصفهما الشديدة البرودة، ولسوف تتبيّن في هذا الطريق آثار عجلات المركبة. ولا تجنح إلى طبقات الجو العليا أو السفلى، ودع الدفء قسمة عادلة بين الأرض والسماء، فإنك إن ارتفعت عالياً أُشعلت النار في قُبَّةِ السماء، وإن هبطت إلى أسفل أحرقت الأرض، وإن آمن الطرق أوسطها. ولا تنحرف يميناً صوب كوكبة الأفعى الملتفّة حول نفسها، ولا يساراً نحو منخفضات كوكبة المجمرة، وكن بينهما على بُعدٍ وسط. وسوف أترك ما وراء ذلك لبنت الحظ «فورتونا» سائلاً إياها أن تحيطك برعاية تفوق ما تملك أنت لنفسك، وهيا الآن فقد بلغ الليل الشاطئ الغربي وما في استطاعتنا أن نتلبّث، وعلينا أن نبادر بالظهور فقد بدأ نور الفجر ينبلج وأخذت الظلمة تتبدّد. اقبض بقوة على الأَعِنَّة، برغم أني مازلت أمل أن تستجيب إلى نُصْحِي ولا تقدم على ركوب هذه المركبة، فما برحت أنت قادراً على التراجع عن رغبة فيها هلاكك، وما برحت قدماك ثابتتين على الأرض الصلبة. إنك مازلت قليل الخبرة، وإذا شئت أن تنعم عيناك بالنور وأنت آمن، فَدَعْنِي أُسْكِبْهُ لك على الأرض». غير أن فايثون اندفع في حماسة الشباب واعتلى المركبة التي لم تنأ بجسده الغضّ، وأخذ الأعِنَّة من يد أبيه فرحاً، واتخذ مكانه واقفاً ولسانه يلهج بشكر والده المحزون.

أخذت خيول سول الأربعة بيرويس وإيووس وأيثون وفليجون تملأ الأجواء بصهيلها وأنفاسها المشتعلة، وتضرب الحواجز بحوافرها، وسرعان ما أزاحت تيثيس الحواجز من طريق الخيل وهي تجهل المصير الذي ينتظر حفيدها، فتَفَتّحَت أبواب السماء أمام الجياد التي اندفعت صاعدة في الفضاء بحوافرها المجنحة متخطية رياح الشرق العاصفة في مهادها. وأحسّت الجياد بالمركبة أكثر خِفّة مما كانت حين كان يعتليها سول، وبدت المركبة كالسفينة التي يتلاعب بها الموج لِخِفّتها، فأخذت تتأرجح وتعلو وكأنها فارغة، وما إن أحست الجياد بذلك حتى انحرفت عن طريقها وتخلّت عن اتجاهها المعهود. واستولى القلق على قائد المركبة الذي كانت تعوزه المهارة في القبض على أَعِنَّة الخيل فانفلت زمامها من يديه ولم يعد يعرف طريقه، ولو قُدِّر له أن يعرفه فلن يُقْدَر له أن يملك السيطرة على الجياد. عندها التهبت كوكبة الدبّ الأكبر الثلجية للمرة الأولى، وعَبَثاً حاولت أن تبرد في مياه البحر المحرّم عليها، ودبّت ثورة محمومة في كوكبة الثعبان التي كانت برودتها تثبط من حرکتها، ويقال إن كوكبة «راعي الشاء» قد ولت فراراً وقلبها مشحون قلقاً رغم بطء حرکتها ورغم كونها أسيرة مركبتها المتهادية.

ووُقِعَ بصر فايثون التعس من السماء الشاهقة على الأرض التي على بُعْدٍ سحيق، فعلا وجهه الشحوب وارتحفت أطرافه رعباً، وغشى الوهج عينيه، وتمنى لحظتها لو لم تمسس يداه قط جياد أبيه، وعراه الندم على محاولته تعرّف نسبه وعلى استجابة أبيه لرغبته، وودّ لو كان ابنًا لميروبس بدلاً من فويبوس وقد أخذت المركبة تهتز كسفينة جرفتها رياح الشمال العتية، فأسلم ربّانها لها القياد تاركاً رعايتها للسماويين يضرع إليهم. ماذا ترى فايثون فاعلاً؟ لقد قطع مسافة شاسعة من السماء وكانت ثمة مسافة أبعد مدى عليه أن يقطعها، وأخذ ينظر إلى الغرب الذي لن يبلغه ثم إلى الشرق وراءه، وهو بينهما حائر عاجز عن إرخاء العنان وجذبه والسيطرة على الجياد التي كان يجهل حتى أسماءها.

وزادته خوفاً تلك الوحوش الضخمة التي وقع بصره عليها متناثرة على صفحة السماء المرصّعة بالنجم، ورأى العقرب يمدّ إليه مخالبه على شكل قوسين مُرْخِياً ذيله، باسطاً أذرعه المستديرة على جانبيه فوق نجمين. ولم يكد الفتى يراه في صورته البشعة يتقاطر منه السمّ القاتل حتى جَمُدَ الدم في عروقه وعراه فزع أسقط من يده العنان على ظهور الجياد التي وجدت نفسها طليقة مُرْسَلَةَ الزِّمَام، فانحرفت عن طريقها المألوف وانطلقت على هواها خلال أجواز الفضاء تطرق دروباً مجهولة، واتجهت إلى النجوم العالية تجرّ المركبة وراءها متنقلة من هَوْةٍ إلى أخرى، صاعدة المرتفعات تارة وهابطة المنحدرات تارة أخرى حتى اقتربت من سطح الأرض. وأمسك العجب بـ «لونا» وهي ترى جياد سول تهوى والدخان ينطلق من السحب المحترقة والنيران تلتهم مرتفعات الأرض فتتشقق وتبرز فيها الأحاديد لجفاف تربتها وتلتهم المراعي فتنقلب هشيماً، وألسنة اللهب تأكل الأشجار وأوراقها متخذة من حصاد الحقول وقودها. ولم يكن هذا كله غير شيء هين إلى جانب اندثار المدن الكبرى واحتراق الأسوار وتهدمها وتحوّل شعوب بأسرها إلى رماد، واشتعال الغابات على سفوح الجبال. وقد أكلت النار جبل أثوس، وجبل الثور في سيليسيا وجبل تيمولوس، وجبل أويتا، وجبل إيدا الذي كانت ينابيعه ذائعة الشهرة قبل جفافها، كما أتت النيران على جبل هيليكون موطن بنات الفنون، وجبل هيموس الذي ارتبط اسمه بعد ذلك باسم أورفيوس، وتأججت نيران بركان إتنا فتطاولت ألسنتها إلى آفاق عالية. واشتعلت القمم التوائم برجال بارناسوس ذات القُمّتين وإيريكس وكينثوس وذاب جليد جبال أوثريس ورودوبي وميماس ودينديما وميكالي وكيثايرون مهد الطقوس الدينية، ولم ينج الصقيع جبال سكيثيا من أن تلتهمها النيران، وكذلك كان مصير جبال القوقاز وأُوسَا وبيندوس، وتوهج اللهب في الأوليمبوس أعظم هذي الجبال شأناً، وبلغت الحرائق جبال الألب الشاهقة الارتفاع وسلسلة جبال الإبنين التي تتوج السحب قمتها.

ورأى فايثون العالم كله مشتعلاً بالنار فغشيته حرارة عجز عن احتمالها وأرسل زفرات حارة كتلك التي تطلقها الأفران المشتعلة، يحاصره وهج مركبته فيضيق بالشرر المتطاير منها، ويلفّه الدخان الساخن وتعميه الظلمة الحالكة فلا يدري أين هو ولا أين يسير، تجمع خيوله العجلى على هواها حيث تقودها أقدامها المجنّحة. وشاع بين الناس أن بَشَرَةَ الإثيوبيين قد استحالت سوداء في هذه اللحظة إذ انبثق الدم إلى بشراتهم. وفي هذه اللحظة أيضاً جُفّفت الحرارة مياه ليبيا فغدت صحراء، وأخذت الحوريات ينزِعْنَ شعورهن نائحات على ينابيعهن وبحيراتهن المفقودة، وعبثاً حاولت بويوتيا البحث عن ينبوع ديركي بين ظهرانيها، وأرجوس عن ينبوع أميمونيه، وإفيرا عن مياه بيريني.

ولم تسلم مياه الأنهار المتدفقة في مجراها السويّ من لفح النيران الذي جَفّف الينابيع، فقد تبخّرت مياه نهر تانايس حتى بدا جافاً، كما جَفّ نهر بينيوس العتيق، ونهر كايكوس في ميسيا، ونهر إسمينوس السريع الجريان، وحاق المصير نفسه بنهر إيريمانثوس بأركاديا، ونهر زانثوس الذي غاض ماؤه بعدُ. وكذا نهر ليكورماس الأصفر، ونهر مياندر الذي يتلوى مجراه في منحنيات شبيهة بالدوائر، ونهر ميلاس بطراقيا، ونهر إيروتاس بأسبرطة، وكذلك نهر الفرات ببابل، والعاصي بسوريا، وثرمودون الجياش ونهر الجنج بالهند، وفازيس، وهيبستر وغلت مياه نهر ألفيوس والتهمت النيران شواطئ نهر سبيرخيوس، وذاب الذهب المكنوز بأعماق نهر تاغوس، واحتريقت طيور نهر مايونيا وطيور نهر كايستر التي أضفى تغريدها على شواطئه ذيوعاً لِصِيتِهِ، وأمسك الذعر بنهر النيل فهربَ وأخفى رأسه في أقصى الأرض حيث استَقَرَّتْ هناك، وخَلَّفَ مصابَّه القنوات السبع جافة لا يغمرها غير التراب، وبقيت سبع وديان بلا مياه. وحاق هذا المصير بنهري الهيبر وستريمون الواقعين في بلاد الإيزماروس، وكذلك أنهار منطقة هيسبيريا وهي الراين والرون وبو والتيبر الذي وعد السماويون بأن يسود الكون.

أخذت الشقوق تغشى الأرض ويتسرّب من خلالها الضوء حتى بلغ تارتاروس، مُلْقِياً الرُّعْبَ في قَلْبَيْ كاهِلَي العالم السفلي. وتقَلَّصَت المحيطات مخلّفة مساحات شاسعة غطّتها أكوام الرمل، ومُبْرِزَةً جبالاً كانت مستورة تحت المياه العميقة، فتكاثرت سلاسل المرتفعات المنتشرة في العالم، وانقلبت الأسماك تغوص في أعماق المستنقعات، وجَبُنَ الدرفيل عن القفز في الهواء كعادته، وطَفَتْ جثث عجول البحر فوق سطح البحار، وقيل إن نيريوس وزوجته دوريس وبناتها قد استشعروا وهج الحرارة وهم في أغوار كهوفهم، وعجز نبتون عن إخراج رأسه وذراعيه من مياه البحر بعد أن حاول ذلك ثلاث مرات لاشتعال الهواء خارج البحار.

وحينما نَفَذَت مياه البحار والمحيطات المحيطة «بالأرض» إلى أحشائها وملأت جوفها المعتم أخرجت «الأرض» رأسها من بين الرماد وأحاطتها بيديها اتقاء للفحات الحرارة، فاهتزّ كل شيء اهتزازاً عنيفاً، وهوت الأرض عن مكانها المعتاد وهي تنبث في ألم مهمهمة: «إذا كانت هذه هي مشيئة القدر، وإذا كان هذا مصيري، فلم لا تعَجِّل يا جوبيتر القادر بإرسال صواعقك لأهلك على يديك إن كان قد قُدِّر لي أن أهلك بالنار، فأية كارثة تبعث بها أنت يهون عليّ حملها». وكانت حرارة الأجواء تلسع حلقها حين تتحدث، فأردفت تقول: «لكم شقّ عليّ أن أفتح شفتيّ لأتحدث. وها هو ذا شعري قد احترق، وانساب الرماد إلى عيني بعد ما غطّى وجهي. أهذا هو جزاء خصوبتي؟ أهذا هو التكريم الذي أناله على خدماتي؟ أمن أجل هذا احتملت الجراح التي شقّتها في جسدي المحاريث والفؤوس دون أن أنال قسطاً من الراحة طوال العام؟ أهذا ما أُجَازَى به عن تدبيري الأوراق والأعشاب الرطبة للماشية، والغلال للبشر، وإنباق الأخشاب العطرة التي تُحْرَق من أجلكم بخوراً أَبْتَهاً الملوك؟ وإذا كنت مستحقة للهلاك، فأي ذنب جنته المياه؟ وماذا جنى أخوك حتى تتضاءل البحار التي مُنِحَها ساعة تقسيم الكون؟ فإذا لم تكن بي مُشْفِقاً ولا بأخيك، فلتلتفت حواليك ولْتُشْفِق على مملكتك السماوية، لقد أمسكت النار في القطبين ولو أنت عليهما لاتهدم قصرك. ولتنظر إلى أطلس يعاني مُثْقَلاً بحمل السماء المشتعلة فوق كتفيه، وتَذَكَّرْ أنه لو هلكت الأرض والبحار والسماء لانتهى الأمر بنا جميعاً إلى الفوضى الشاملة. فبادر إلى إنقاذ ما يسعك إنقاذه من الدمار يا جوبيتر، وأدرك الكارثة وقدم لنا النجاة».

ولم تكد تنتهي ضراعة الأرض حتى حنت رأسها ودفنتها في الكهوف المتاخمة لعالم الموتى عاجزة عن احتمال مزيد من الحرارة. ودعا جوبيتر حاشيته إليه ومن بينهم سول الذي أسلم مركبته لولده فايثون، وبعد أن أشهدهم جميعاً على أن نجاة العالم من الفجيعة رهن بمعونة سول صعد عالياً في السماء إلى ذلك المكان الذي اعتاد أن يُطْلِق منه الغيوم والرعود والصواعق الخاطفة، غير أنه لم يرسل سحباً ولا أمطاراً وإنما أطلق رعداً مَدَوِّياً، ورفع بيده الصاعقة قريباً من أذنه اليمنى ثم صوّبها إلى قائد مركبة الشمس فأفقده توازنه وحياته معاً.

سقوط فايثون
سقوط فايثون

وكان لهيب الصاعقة أعظم أثراً من نيران مركبة الشمس فأحرقت المركبة وانطلقت خيولها مولّية الأدبار على غير هدى، وتناثرت أجزاء المركبة فراحت عُدَّة الجياد يُمنة بينها ذهب عريش المركبة يُسرة، وهنا وهناك برامق العجلات وحطام المركبة. وهوى فايثون في الفضاء والنار مشتعلة في خصلات شعره تتلوّى خلفه كأنها نجم لامع في السماء الصافية، حتى هبط في بقعة قصية من الأرض بعيدة عن مسقط رأسه، وتلقاه نهر إيريدانوس العظيم فبَلَّل وجهه المحترق بمياهه، وقامت الحوريات الإيطاليات بمدفن رفاته التي التهمتها النيران ذات الألسنة الثلاثة، ثم نقشن على شاهد قبره هذه الأبيات:

«هنا يثوى فايثون قائد مركبة أبيه.
وهو وإن لم يُكتب له النجاح في قيادتها
إلا أنه قضى نحبه شهيد شجاعته الفائقة».

وأدّت الحوريات هذا الرثاء عن أبيه التعس الذي أمضّه الأسى فغطى وجهه وأخفاه عن جميع الأنظار.

وإذا كان حقاً ما يقول الراوي، فقد احتجبت الشمس في ذلك اليوم فأضاءت النيران المشتعلة العالم، وهكذا كانت لكارثة فايثون حسب هذا الرأي نفع ما.

وكانت كليمني أم فايثون أول من بكا بكاء زاد من هول المأساة، فلقد أفقدها حزنها وعيها فشَقّت ثوبها عن صدرها، وراحت تضرب في الأرض على غير هدى بحثاً عن جثة ولدها حتى وجدتها مدفونة بشاطئ ذلك النهر البعيد، فاحتضنت الصخرة التي نُقِش عليها اسمه وبَلَّتْها بدموعها مُلْصِقَةً صدرها العاري بها.

ولم يكن حزن بنات الشمس على أخيهن أقل من حزن أمهن عليه، فاستسلمن للبكاء والعويل، وضربن صدورهن بأكفهن وألقين بأنفسهن على قبر فايثون ينادينه ليل نهار دون أن يسمع صراخهن. ومضت أشهر أربعة وشقيقات فايثون مقيمات عند القبر يؤدين طقوس الحداد التي أصبحت من كثرة تكرارها إحدى العادات. وفي أحد الأيام تهاوت على الأرض كبراهن فايثوزا وشكت عجزها عن تحريك قدميها، فخَفَّتْ لنجدتها أختها الشقراء لامبيتيه، غير أنها وقعت في قبضة جذور شجرة نبتت فجأة، واكتشفت الثالثة وهي تشدّ شعرها أنها تقطف من رأسها أوراق شجرة، وأطبق جذع شجرة على ساقَي واحدة، بينما تحوّل ذراعا أخرى إلى غصنين طويلين. وعلى حين أخذتهن الدهشة بما يجري لهن كان لحاء الأشجار يلتف حول أفخاذهن ويغطي أجسادهن شيئاً فشيئاً فكسا أرحامهن وأثدائهن ثم أكتافهن وأيديهن، ولم يبق غير شفاههن التي كانت تنادي عبثاً أمهن.

أخوات فايثون يتحولن الى أشجار
أخوات فايثون يتحولن الى أشجار

ولم يكن بوسع هذه الأم الملتاعة غير أن تهرول هنا وهناك تدفعها أحاسيسها كي تختلس من بناتها القبلات ما أمكنها ذلك. لقد حاولت في أوج ثورتها تمزيق أجساد بناتها وإنقاذهن من جذوع الأشجار، وهشّمت الأغصان غصناً غصناً، وكانت كلما هشّمت غصناً انسكبت منه قطرات دم كأنه جرح ينزف، وصاحت ابنة لها وهي تكسر غصنها قائلة: «رفقاً بي يا أماه، ناشدتك ألا تؤذينني بما تفعلين، إنك تصيبين بالأذى جسدي الذي يستحيل إلى شجرة، فوداعاً يا أماه».

وما لبث لحاء الشجرة أن انطبق على هذه الكلمات الأخيرة، وانسابت دموع جَمَّدَتْها الشمس فإذا هي كهربان أخذ يتساقط من الأغصان الجديدة على صفحة النهر الوضّاءة، فتحملها مياهه بعيداً كي تصبح في الأيام القريبة زينة عرائس الرومان.

المصدر:

للمزيد من المواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *