البداية: رحلة كشتة إلى نجران
يقول فرحان: “اسمي فرحان، من المملكة العربية السعودية، وهذه قصة حصلت معي ومع أصدقائي في منطقة نجران، في عام 1981 ميلادي.”
في ذلك الوقت لم تكن وسائل الترفيه الموجودة اليوم — الإنترنت، شبكات التواصل — متوفرة إطلاقًا. كانت وسائل التسلية تقتصر على الإذاعة، التلفزيون، القنوات المحلية، والفعاليات الاجتماعية الواقعية: رحلات البر، صيد البحر، أو الذهاب إلى المجالس والعودة منها.
في عام 1981، قرر فرحان وأصدقاؤه الثلاثة — عادل، سامي، وأحمد — الذهاب في رحلة “كشتة” إلى نجران. كانوا أصلاً من الأحساء، وسمعوا الكثير عن الكشتات في منطقة نجران، خصوصًا مناطقها الجبلية، وعن المناظر الجميلة والأجواء الرائعة هناك. اتفقوا فيما بينهم، وأبلغوا أهاليهم أنهم مسافرون إلى نجران لقضاء رحلة هناك، وجهّزوا كل ما يحتاجونه من طعام وشراب وأغراض التخييم. كانوا أربعة أشخاص، ومعهم سيارة سوبربان من موديل تلك السنة، كافية لحملهم وأغراضهم.
الطريق إلى الجبال
انطلقوا في رحلتهم باتجاه نجران، وكان الطريق طويلاً، لكنها كانت رحلة برية ومغامرة عادية بالنسبة لهم، فلم يشكّل طول المسافة أي إزعاج. كانوا يتوقفون أحيانًا للصلاة، وأحيانًا للأكل، ويمرون بمناطق سكنية يستريحون فيها قليلاً، حتى وصلوا إلى جبال نجران.
كانت بعض الطرق في تلك المنطقة وعرة جدًا، غير ممهدة أو مضبوطة، لكن المكان كان جميلاً بشكل استثنائي. اختاروا موقعًا بين واد جميل — كان مدخل الوادي وعرًا، لكن الأرض بداخله مستوية ومزهرة، والخضرة تملأ كل مكان، حتى قال أحدهم إن المكان يشبه قطعة من بلاد الغرب من فرط جماله. مكثوا هناك أربعة أيام رائعة استمتعوا فيها بالتخييم في هذا المكان.
المطر الغزير والحادث
في اليوم الخامس، بدأ المطر ينهمر عليهم بغزارة شديدة. قال عادل: “خلونا نرجع لأهلنا يا شباب، هذا المطر بغزارته ممكن يجي بعده سيل، والسيل ممكن يشيلنا إحنا وأغراضنا وسيارتنا.” اتفقوا جميعًا، وبسرعة — رغمًا عنهم من شدة المطر الذي كان يضرب عليهم — جمعوا كل أغراضهم ووضعوها في السيارة، وانطلقوا يريدون العودة إلى أهلهم.
لكنهم عادوا عبر نفس الطريق الذي جاءوا منه فوجدوه غارقًا تمامًا، وكأنه تحوّل إلى بركة كبيرة يستحيل عبورها. قرروا تجربة طريق آخر، وعادوا يبحثون عن مسار ثانٍ وعر لكنه ممكن العبور. وبينما كانوا يصعدون في هذا الطريق، وصوت المطر يضرب الزجاج الأمامي للسيارة بشدة حتى إنهم بالكاد يسمعون بعضهم البعض، انزلقت السيارة في مكان كان يبدو مرتفعًا لكنه كان في الحقيقة مليئًا بالطين. فقدوا السيطرة عليها، وانقلبت السيارة.
من حسن حظهم أنها سقطت عند أطراف الوادي في مكان لا يزال مرتفعًا نسبيًا، ولم تتدحرج إلى الأسفل بالكامل. في اللحظة الأولى، اعتقدوا أن هذه نهايتهم، ولم يكن أحدهم يعلم إن كان سيرى الآخرين مرة أخرى. لكنهم بعد الانقلاب تأكدوا أن الجميع بخير وسالمون دون أي أذى.
الهروب من السيارة والاحتماء في الكهف
قال أحمد: “خلونا نطلع من السيارة، أخاف المطر يزيد وتغرق السيارة ونحن بداخلها، أو تكمل وتطيح للأسفل.” حاولوا الخروج من الباب الذي أصبح في الأعلى بعد انقلاب السيارة على جانبها، وبحمد الله تمكنوا من الخروج، لكنهم لم يستطيعوا حمل معهم سوى القليل من الطعام والماء لتقوية أنفسهم، لأنه كان في آخر حقيبة استطاعوا الوصول إليها.
كان المطر يهطل بشدة والرياح تعوي بقوة، فركضوا باتجاه إحدى المغارات القريبة للاحتماء من المطر، ودخلوها وجلسوا بداخلها رغم ظلمتها، لأن أهم شيء كان الاحتماء من البرد والمطر والرياح الشديدة التي جعلت المشي صعبًا للغاية.
مكثوا في المغارة حتى حلّ الليل واشتد المطر أكثر. قالوا: “خلونا نطلع، إحنا أربعة، نمشي وعسى نلقى قرية أو مدينة، أو أحد عنده عزبة أو مزرعة يساعدنا، لأننا لو بقينا في هذا المكان سنموت من الجوع.” خرجوا من المغارة، واتجهوا نحو الطريق الجبلي الذي كانوا قد صعدوا به بالسيارة، يمشون على أقدامهم، وقد أصابهم التعب الشديد من طول المشي.
صوت الطبول
بعد قرابة ساعة من المشي، قال سامي: “يا شباب، اسمعوا الصوت.” توقفوا، وأصغوا حتى تبيّن لهم أنه صوت طبول وعزف. قال عادل: “يبدو أنه صوت عرس، ما يعني أننا قريبون من إحدى القرى، أو عندهم عزبة أو شيء ما.” قالوا: “خلونا نتبع الصوت ونذهب لهم، نطلب منهم النجدة، يساعدوننا في إخراج سيارتنا، دون أن نسألهم عن شيء أو نأكل عندهم.”
ساروا متتبعين الصوت لمدة عشرين دقيقة، حتى رأوا مرتفعًا، فقالوا: “خلونا نصعد ونستكشف هذا المكان، نشوف من أين يأتي هذا الصوت.” وبالفعل صعدوا، فرأوا نارًا قريبة، وحولها مجموعة من البيوت الطينية. وصلوا إلى إحدى القرى، وقالوا فرحين: “الحمد لله، يلا يا شباب، خلونا نمشي باتجاه هذه القرية.”
كانوا منهكين من التعب والجوع، وبينما يمشون، تكلم عادل قائلاً: “يا الربع، والله أحس بقشعريرة في جسمي، أحس أن شيئًا قريبًا [ليس على ما يرام].” قالوا له: “يا ابن الحلال، هذا من تأثير الحادث الذي صار، وللحين رهبته فيك.” واصلوا المشي حتى وصلوا إلى القرية.
الوصول إلى القرية الغريبة
عند اقترابهم من القرية، رأوا أطفالاً يلعبون، ورجالاً جالسين حول نار كبيرة يحدّقون فيها، وصوت الطبول والعزف عالٍ جدًا. لكن المكان كانت له رائحة غريبة وكريهة، أشبه برائحة بخور محروق أو شعر محترق — رائحة لم يعتادوا عليها إطلاقًا.
قالوا لأنفسهم: “المهم أن يساعدونا ويسدون جوعنا الآن، وبعدها نفكّر في كل شيء.” سلّموا على الجميع، لكن لا أحد منهم ردّ السلام، بل لم يلتفت إليهم أحد على الإطلاق، وكأن فرحان ورفاقه غير موجودين إطلاقًا. تبادلوا نظرات الاستغراب فيما بينهم.
اقترب منهم رجل كبير في السن، بادٍ عليه أنه كبير جدًا في العمر، ورحّب بهم قائلاً: “حياكم، تفضلوا.” كانت القرية مظلمة تمامًا عدا هذه النار وبعض البيوت التي فيها إنارة بسيطة. مشوا مع هذا الرجل، مرّوا بخروف مشوي كان الجميع يحدّق فيه من شدة الجوع، حتى دخلوا بيتًا طينيًا، جلسوا فيه، وكان مضاءً بسراج بدائي معلّق على الجدار.
الضيافة الغريبة
في المجلس، كانت هناك مجموعة من الرجال جالسين. حين دخلوا وقالوا “السلام عليكم”، ظل الجميع صامتًا، جالسين يحدّقون فيهم دون أي رد للسلام، وكأن فرحان وأصدقاءه هم الكائنات الغريبة الداخلة عليهم.
جلسوا، وقدّم لهم الشيخ القهوة. والغريب أن فرحان، مهما شرب من القهوة، لم يشعر بطعمها ولا بأنه ارتوى، وكأنه لا يشرب شيئًا على الإطلاق. والأغرب أن كل من كان جالسًا هناك ظل يحدّق فيهم بعيونهم فقط.
سألهم الرجل: “من أين أنتم، وما قصتكم، ما الذي جاء بكم إلى هنا؟” فرووا له قصتهم كاملة. قال: “ما عليه، بسيطة بسيطة.” سألوه: “ما اسم هذه القرية؟” فأجاب: “نحن في هذه القرية منذ سنين طويلة، قليل جدًا من يأتي إلينا، أحيانًا الناس يمرّون لكنهم لا يدخلون علينا.” ذكر اسمًا للقرية لم يستطع فرحان أن يحفظه جيدًا، وشعر أن الرجل يتكلم بلغة أو لهجة ليست لغتهم تمامًا.
فسّر فرحان هذا الغرابة في البداية بأن أهل القرية غير معتادين على استقبال الضيوف، وهذا ما يفسّر تلك النظرات الغريبة الموجّهة إليهم.
اللحظة الأولى للشك: الظل المفقود
طلب عادل أن يقضي حاجته. سأل الشيخ: “أين الحمّام؟” فقال له: “اطلع، وراء البيت هناك خلاء، اقضِ حاجتك وتعال.” خرج عادل، ومرّ من أمام فرحان وهو متجه إلى الخلاء.
لكن الأمر الغريب الذي لاحظه فرحان: حين مرّ عادل من أمامه، لم يكن له ظل — بينما كل من كان موجودًا من أهل القرية له ظل، إلا هم (فرحان وأصدقاؤه). لم ينتبه فرحان لهذا الأمر جيدًا في تلك اللحظة، فقط بدأ يدقّق في ملامح الحاضرين، ولاحظ أنهم متشابهون جميعًا بشكل يكاد يوحي أنهم من أب وأم واحدة، أو أنهم مختلفون تمامًا عن البشر العاديين. كان هدوؤهم مبالغًا فيه بشكل مرعب — حين تنظر إليهم، لا تشعر بأي رد فعل طبيعي منهم، وكأنهم تماثيل، حتى إنهم لا يرمشون إطلاقًا.
دخل الشك قلب فرحان، لكنه التزم الصمت، لم يرغب في التحدث مع أحد أو قول أي شيء يخيف رفاقه، خوفًا من أن تحدث مصيبة لا يقدر على التحكم بعواقبها. حين عاد عادل من الخلاء وفتح باب البيت، رأى فرحان الأطفال يلعبون في الخارج حول النار الكبيرة — لكن لم يكن لهم ظل أيضًا. تضاعف الخوف في قلب فرحان، لكنه ظل صامتًا لم يتكلم بشيء.
طعام بلا شبع
قدّموا لهم الطعام، وأكل الجميع — لكنهم لم يشعروا فعليًا بأنهم يأكلون. والغريب أنهم بينما كانوا يأكلون، ظل كل من كان حاضرًا يحدّق فيهم دون أن يمدّ أحد منهم يده للأكل معهم. شعروا جميعًا بتعب شديد جدًا، وكأنهم كانوا يركضون أيامًا متواصلة طويلة، رغم أنهم كانوا فقط جالسين يأكلون.
قال الشيخ الكبير: “يا عيالي، ارتاحوا عندنا الليلة، وغدًا نحل مشكلتكم.” قالوا له: “نحتاج فقط أن نُخرج السيارة من مكانها، لن نتحرك بها أو نستخدمها، فقط نريد سحبها.” فقال: “الآن ليلاً، ما راح أحد يقدر يساعدكم، مالك إلا أن تناموا عندنا، وغدًا نطلع سيارتكم.” سألوه: “طيب، أين ننام؟” فقال: “أصلاً نحن مجهّزين مكانكم من قبل أن تأتوا.” استغرب فرحان هذه الجملة، لكنه كان شديد التعب جسديًا وذهنيًا مشغولاً بملاحظة أشكال وظلال هؤلاء الناس، فلم يتوقف عندها طويلاً.
قام معهم الشيخ، وخرجوا من ذلك البيت، مشوا حتى وصلوا إلى طرف القرية، حيث بيت فيه غرفة واحدة فقط. قال: “خلاص، ناموا هنا الليلة، وغدًا يصير خير.” ثم ضحك ضحكة غريبة، وصكّ الباب وذهب، دون أن ينتظر منهم أي ردّ.
ليلة في الغرفة المظلمة
تبادلوا النظرات فيما بينهم، وقال سامي: “يا الربع، والله أحس أن في شيء غلط.” شعروا جميعًا بعدم الارتياح، ولاحظ سامي أنه رغم أنهم أكلوا، إلا أنه لم يشبع إطلاقًا. حتى فرحان نفسه لم يشعر أنه أكل شيئًا مادّيًا حقيقيًا، رغم التعب الذي كان مسيطرًا عليهم.
كانت الغرفة من الداخل مفروشة بفراش لعددهم، موضوع على الأرض مباشرة دون سجاد، فقط فوق الصخر. نام أحمد وسامي وعادل نومًا عميقًا بسرعة، أما فرحان فبقي مستلقيًا، جسده متعب يريد الراحة، لكن عقله لم يكن قادرًا على النوم من شدة التفكير فيما رآه: الناس ذوي التصرفات الباردة، الوجوه المتشابهة، غياب الظل.
الرجل الطائر في الغرفة
وبينما هو مستلقٍ يفكّر، سمع حركة داخل الغرفة. رفع الغطاء قليلاً لينظر، فرأى أحد الرجال الذين كانوا حاضرين معهم أثناء العشاء، يتمشى داخل الغرفة، ذهابًا وإيابًا. استغرب فرحان كيف دخل هذا الرجل الغرفة، إذ كان الباب خشبيًا قديمًا يُفترض أن يُصدر صوتًا عند فتحه.
دقّق النظر من تحت الغطاء إلى قدمَي هذا الرجل، وللصدمة، وجد أن قدميه لا تلامسان الأرض إطلاقًا — بل هو معلّق في الهواء. حين رأى هذا المنظر، لم يتمالك نفسه فصرخ، فاستيقظ رفاقه فزعين. أدرك فرحان أن الصراخ ليس التصرف الصحيح أمام مثل هذا الموقف، فتنحنح ليشعر الرجل بأنه مستيقظ وواعٍ لوجوده، لكن الرجل لم يهتم إطلاقًا، وظل يتمشى ذهابًا وإيابًا.
بدأ فرحان يقرأ المعوذات، يريد التخلص من هذا الرجل، ثم قرأ آية الكرسي — وكأن الرجل جُنّ، طار وخرج من الغرفة. ما إن انتهى فرحان من قراءة آية الكرسي حتى هدأت كل الأصوات في المكان فجأة، وكأنه لا يوجد أحد إطلاقًا. قام فرحان من فراشه، سمّى الله وتعوّذ من الشيطان، وأدرك أن الموضوع ليس متعلقًا بالقرية نفسها، بل بالجن، وأنه يجب أن يتصرف الآن.
الرجل ذو الرائحة الكريهة
سأله أحمد، الذي استيقظ من صوته: “شفيك؟ عساه ما شر؟” قال له فرحان في البداية: “لا، لا، جاني حلم ووقعت من النوم”، لم يرغب في تخويفه من البداية. لكنه قرر بعدها أن يصارحه، فطلب منه الذهاب معه لقضاء حاجته، بينما القل عل الآخرين نيام — قال أحمد إنه سيرافقه، وخافا معًا من أن يحصل شيء لعادل وسامي وهما نائمان.
خرجا من البيت، فوجدا المكان مظلمًا تمامًا، لا نار، لا صوت، خرساء تمامًا، لا أحد يظهر، وكأن القرية خاوية على عروشها. سأله أحمد: “يا فرحان، وين الناس؟” هنا قال له فرحان بصدق: “بيني وبينك، أنا ما أخوفك ديني وبينكم، لكن أخاف تصارخ وتصير سوالف، أبي نتصرف بهداوة لأن الوقت متأخر والناس أكيد نامت.”
طلب من أحمد أن يبتعد قليلاً ويقضي حاجته بينما يبقى فرحان قريبًا يراقب. بعد قرابة خمس دقائق، سمع فرحان صوت أحمد يصارخ ويركض مناديًا باسمه، يقول: “طلع لي شيطان! شيطان!” وصل أحمد إلى فرحان وطاح عليه، بصعوبة يتنفس. قام فرحان يسمّي بالرحمن ويتعوّذ من الشيطان، وسأله: “شفيك يا ولد؟”
روى له أحمد قصته: بينما كان يقضي حاجته، أحس فجأة بأنفاس حارة تضرب في أذنه من الجهة اليسرى، فالتفت بوجهه، فرأى رجلاً جالسًا بجانبه مباشرة — لكن شكل هذا الرجل كان ممسوخًا، أشبه بإنسان ممسوخ إلى حيوان، ورائحته كريهة جدًا.
اكتشاف الحقيقة
قال له فرحان: “تعوّذ من الشيطان، اهدأ.” ثم صارحه: “هذه القرية ليست حقيقية، إنها قرية مسكونة بالجن، ونحن الآن في ضيافتهم.” قررا الرجوع لإيقاظ الشباب ومحاولة الهروب من هذا المكان.
رجعا إلى الغرفة، لكن الصدمة التي أوقفتهما في مكانهما: كانت الغرفة قد اختفت شبابيكها، واختفى بابها تمامًا، وكأنها مبنية ومغلقة بالكامل. اقتربا من الغرفة، وما إن اقتربا حتى سمعا عادل وسامي يصرخان من داخلها بأعلى صوتهما: “ابعدي عنها! ابعدي عنها!”
قالا: “يا جماعة، إحنا جايينكم، جايينكم!” وداروا حول المبنى يبحثان عن مدخل، وهما يقرآن المعوذات وآية الكرسي، حتى ظهر الباب فجأة من مكان كان يبدو مخفيًا عن أعينهما قبل لحظات. ما إن دخل فرحان حتى جاءه عادل راكضًا بوجهه، خائفًا من شدة الخوف. قال له فرحان: “اذكر الله، تعوّذ من الشيطان.” نظر خلفه، فوجد سامي جالسًا خائفًا يرتجف.
سألهما: “شفتوا شنو؟” قالا وهما يرتجفان: “كنا نائمين، وأحسسنا أن أحدًا يمسك أرجلنا أو يتحسس عليها، وحين فتحنا أعيننا، وجدنا عند أرجلنا [كائنًا] قبيحًا جدًا، شكله ممسوخ.” قاما يصرخان ويصارخان حتى وصل فرحان وأحمد.
الهروب
قال فرحان: “يا جماعة، هذه القرية مسكونة بالجن، خلونا نهرب، خلونا نطلع منها.” بعد أن قرأوا المعوذات، اختفت المرأة (أو الكائن) التي كان عادل وسامي يصرخان بشأنها. بدأوا يركضون كالمجانين، يحاولون الابتعاد عن هذه القرية، لكنهم لم يبتعدوا سوى أمتار قليلة حتى ظهر أمامهم كلب أسود يزمجر عليهم وكأنه يريد الهجوم. ما إن رأى سامي هذا الكلب حتى قال: “أعوذ بالله منك إن كنت من الجن.” بدأ الكلب يتراجع للخلف حتى اختفى في الظلمة.
التفتوا نحو البيت الذي كانوا نائمين فيه، فوجدوا فيه نورًا مضاءً، وظهر نفس الرجل الكبير في السن الذي استضافهم — لكن هذه المرة كانت ملامحه مخيفة من بعيد، وعيناه تضيء. أكملوا الهرب وتركوه، وبينما هم يركضون، بدأت حجارة تنهال عليهم من كل اتجاه دون أن يعرفوا مصدرها. رفع فرحان بصره فرأى طفلة، شكلها غريب جدًا، هي من كانت ترميهم بالحجارة. قام يتعوّذ من الشيطان بسرعة، ورفع يديه ليحمي أذنيه.
فجأة، اختفى كل شيء، وعمّ الهدوء المكان، وتمكنوا من الخروج منه بحمد الله. ظلوا يمشون طوال الليل، متعبين جدًا، حتى صادفوا نور سيارة قادمة. أشاروا لها، فتوقفت من بعيد، ونزل صاحبها الزجاج وقال: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أنتم شنو، إنس ولا جن؟” قالوا له: “والله العظيم، إنس”، وأثبتوا له ذلك، فأخذهم بسرعة وخرجوا من هذا المكان.
العودة والحقيقة الصادمة
بحمد الله عادوا في اليوم التالي، وساعدهم أهل الخير في المنطقة على إخراج سيارتهم. لكن الغريب أنه حين سألوا الرجل الذي أوصلهم عن تلك القرية والأحداث التي حصلت، قال لهم: “ما فيه قرية هنا، ما كان فيه من قبل، من قبل من قبل، ربما كان هنا قرية قديمًا جدًا لكنها خرابة الآن، ولا يوجد أحد فيها إطلاقًا.”
دلّهم على المكان، فذهبوا إليه، ووجدوا أن هذه القرية بالفعل خرابة بالكامل، مهجورة تمامًا، ولم يكن فيها أي أثر لحياة منذ زمن طويل جدًا.
قصة يرويها صاحبها كتجربة شخصية حقيقية حدثت في نجران عام 1981، من نوع القصص المتداولة عن قرى مهجورة يُعتقد أنها مسكونة بالجن في مناطق جبلية نائية من المملكة. ننقلها كما وصلتنا، تاركين للقارئ مساحة يكوّن فيها رأيه الخاص.



