وثمة غيضة في بلاد هايمونيا تكتنفها من كل جانب منحدرات عامرة بالغابات تسمى تمبي. وعلى تلك المنحدرات تفيض مياه نهر بينيوس فتخلّف على صفحتها زَبَداً رابياً. وهذا النهر تتجمع مياهه أول ما تتجمع من تساقط الأمطار على جبال بندوس، ثم تنصبّ منحدرة على سفوحه فتستحيل أبخرة ثم سُحُباً متكاثفة سرعان ما تتساقط قطراتها على تلك الغابات، فإذا لها صوت مدو يصمّ الآذان ويتردد صداه في الأرجاء البعيدة. وفي هذا الموقع الذي كان ينبع منه هذا النهر، كان ثمة كهف قد شُقّ في الصخور يُعدّ محراباً لهذا النهر الكبير، ومنه تنطلق كلمته لمياه الأنهار جميعها قبل أن يجري كل نهر إلى حيث كُتب له، ويقضى بين الأمواج كما يقضى بين الحوريات اللاتي يقطنّ مجراه.
وإلى هذه البقعة وفدت أنهار بلاده: نهر سييرخيوس الذي تحفّ به أشجار الحور، ونهر الإنيبيوس ذو المياه الثائرة، ونهر أبيدانوس العجوز، ونهر الأَمْفريزوس الهادئ، ونهر أَياس وغيره من أنهار أخرى، لا يدرى أيّ منهم هل يتقدم إلى نهر بينيوس والد دافنى مهنئاً أم مواسياً. ثم جاءت بعد ذلك الأنهار والجداول الأخرى التي تجرى كلها متدفقة لتلقي بأحمالها إلى البحر بعد رحلاتها الشاقة. ولم يتخلّف من هذه الأنهار كلها غير إيناخوس فقد قبع في الكهف لم يغادره، ولبث يُغذّى مياهه بقطرات دموعه التي ما فتئت تنهمر منذ أن غابت عنه ابنته إيو وغابت عنه أخبارها، فلم يعد يعرف لها مقراً ولا يسمع عنها كلمة، ولم يعد يدرى أمع الأموات هي أم مع الأحياء.
ولقد كان من قصة إيو هذه أن رآها جوبيتر مرة وهي آيبة من شاطئ نهر أبيها إيناخوس، فتصدّى لها يقول: «أيتها العذراء، إنك لست أهلاً لغير جوبيتر، ولسوف يسعد بك من تكونين له، ولكن تُرى من سيكون هذا السعيد؟ تعالى نَمْضِ معاً في ظلال تلك الغابات الباسقة ننعَمْ ونَهْنَأ. ألا ترين إلى الشمس وقد توسطت كبد السماء وأرسلت شواظاً من نار ألهبت به وجه الأرض فلم تعد تقوى على مَسّه قدم؟ هنالك في ظلال أشجار الغابة سوف تجدين من نفحات الهواء ما يعوّضك عن لفح الشمس، سوف تجدين من تربتها الندِيّة موطناً سهلاً، ولكن حذار أن تمضي إلى الغابة وحدك فإني لا آمن عليك من شر الحيوانات الضارية. أما في صحبتي فسوف تكونين في رعاية ملك ليس كغيره من عامة الملوك، الذي يطلق الرعد والبرق، تعالى إلىّ ولا تحاولي أن تهربي مني».
وما إن سمعت إيو كلمات جوبيتر حتى ولّت هاربة تطوى مراعي ليرنا ثم حقول لوركيون الزاخرة بالأشجار. غير أن جوبيتر ما لبث أن أرسل السحب فغَشَتْ وجه الأرض فإذا هي ظلام كلها، وإذا إيو أعجز ما تكون عن أن تمضى في هربها فوقعت فريسة لجوبيتر، وإذا هو يعدو عليها.
وتطلّعت جونو زوجة جوبيتر من مكانها في السماء إلى أرجوس، ودهشت إلى هذه السحب التي أحالت النهار ليلاً فعجبت، وزاد من عجبها أن هذه السحب لم تنشأ عن مياه النهر ولا عن نداوة الأرض. وإذ كانت على علم بما يرتكبه زوجها من خيانات بعدما أوقعته مرات عدة متلبساً بما لا ينبغي له أن يقترفه، ولما لم تجده حولها في السماء ساورتها الظنون بأنه لابد مرتكب شيئاً إداً، فهبطت من الأثير إلى الأرض وأمرت السحب أن تنقشع ومضت تبحث عن زوجها فيما حولها. وكان جوبيتر قد توقع أن زوجته لابد قادمة، فمسخ إيو ابنة إيناخوس بقرة ذات أرداف وضاعة، غير أنها على الرغم من هذا التحوّل ظلت جميلة فاتنة.
وتقدمت ابنة ساتورن إلى البقرة تُطريها زَيْفاً وتمدح جمالها وكأنها لا تعلم من الأمر شيئاً، وساءلت جوبيتر قائلة: «أَنى لكِ بهذه البقرة، وإلى أية فصيلة من البقر تنتمي؟». ويفطن جوبيتر إلى ما أرادت إليه ابنة ساتورن، ويسعى إلى الحيلولة بينها وبين الخوض في الموضوع فيقول لها كاذباً: إنها ابنة الأرض. ولكن ابنة ساتورن كانت أدهى منه، فطلبت إليه أن يعطيها البقرة هدية. ويغمّ الأمر على جوبيتر، فهو إن نزل عن البقرة فقد ضحّى بأعزّ ما يملك، وإن هو ضَن بها على زوجته أثار شكوكها وكان غير بارّ بها إذ لم يسعفها بحاجتها. وتنازعه عاملان، عامل الحب يُثنيه، وعامل الوفاء لزوجته التي تعقد بينه وبينها صلة من دم ومولد، غير أنه آثر ثانيهما ووهب زوجته – التي هي شقيقته في آن معاً – البقرة حتى لا يكون عاقاً، وحرصاً على ألا يثير في نفسها شكاً بأنها كائن أسمى من مثل هذه البقرة.

وتلقّت الزوجة الإلهة الهدية في شيء من الحذر، فلقد كانت تخشى أن يكون جوبيتر قد بَيَّتَ شراً وأن قد يعود فيسلبها إياها. من أجل ذلك وكلت إلى ابن أريستور، وكان يدعى أُرْجُس حراستها. وكان لأُرْجُس مائة عين تستريح منها اثنتان على التوالي على حين تبقى سائرها يقظة، أي أنه كانت من تلك العيون المائة ثمان وثمانون عيناً يقظة دوماً. وكانت تلك العيون تمتد إلى كل مكان فترى ما بين يديه وما خلفه، وما عن يمينه وما عن يساره. وهكذا ظلّت إيو في محيط بصره استقبلها أو استدبرها. وكان يدعها مع النهار ترعى من أوراق الأشجار والأعشاب المُرَّة، حتى إذا ما غربت الشمس حبسها ووضع في رقبتها رباطاً.
وكانت إيو إذا ما عنّ لها أن تستريح افترشت أرضاً لا عُشْب فيها، وكان شرابها من مياه كدرة. وكم حاولت أن تشكو إلى أُرْجُس غير أنها لم تكن تملك ذراعين ترفعهما إليه بالشكوى، فكانت ترسل في الجو خواراً تتفزع هي نفسها له. وحين قصدت يوماً إلى شواطئ إيناخوس حيث كانت ترتع وتلعب فيما مضى، هالها ما عكسته صفحة الماء من خطم وقرنين فولّت خائفة مذعورة. ولقد أنكرتها جنيات البحر وما عرفنها كما أنكرها إيناخوس ولم يعرفها. وبقيت مثار إعجاب الأب ودهشة شقيقاتها، يُطعمها الأب بيديه الأوراق التي يقتطفها فتلثم يديه بفيها وتلعقها بلسانها، وهي لا تملك أن تُفصح عن شيء، وتلمس هذا العجز من نفسها فتنهمر دموعها.
واهتدت أخيراً إلى أن تخُطّ على الأرض قصتها، ويطالع إيناخوس ما خطت فيعرف أنها ابنته، فيتعلق بقرونها ورقبتها وهي ترتجف بين يديه فيناجيها قائلاً: «ما أشقاني، أنت ابنتي التي مازلت أطلبها في كل مكان؟ لقد كان فقدك أهْوَنَ علىّ من أن أراك على تلك الصورة، إنك لا تقوين على الكلام ولا تستطيعين أن تُجيبيني، وكل ما أسمعه منكِ تنهدات تصدر عن صدرك المحزون، ثم ذلك الخوار الذي يذكّرني بخوار البقر. لقد كان همّي أن أزفك إلى زوج وأن أرى لك بنين وبنات، وأن أهيئ لك بيت عُرْسك بفراشه ومشعله، أما الآن فلن يكون لك زوج إلا من أبناء جنسك ولن تلدي غير ذرية من البقر. لو لم أكن خالدا لآثرت الموت هرباً مما أرى. وعلى هذا النحو سأظل في غمرة الحزن إلى الأبد».
وبينما كان الاثنان في حزنهما يبث كل منهما لواعجه للآخر، طلع عليهما أُرْجُس برأسه ذى الأعين المائة، وانتزع الفتاة من يدى أبيها وساقها أمامه إلى المرعى، وارتقى جبلاً حتى بلغ قمته وأخذ يتطلّع هنا وهناك.
ولم يعد جوبيتر يطيق احتمال كل هذه الآلام التي ألمّت بحفيدة فورونيوس، فصاح بابنه ميركوري وأمره بأن يقضى على أُرْجُس. وسرعان ما لبّى الابن أمر أبيه فضمّ جناحيه إلى رجليه وأخذ صولجانه في يديه، ذلك الصولجان الذي يُغرق من مسّه في نوم عميق، كما ألقى على رأسه غطاءه، حتى إذا ما أشرف على المكان الذي يضمّ أُرْجُس رفع غطاءه عن رأسه وفكّ جناحيه وهبط إلى الأرض يحمل صولجانه في يده وشقّ طريقاً فوق دروب متعرّجة متنكراً في صورة راعٍ من الرعاة يهشّ على غنمه، وأخذ ينفخ في مزماره فانصرفت إليه الأغنام مجذوبة بما تسمع، كما شد بها أُرْجُس فناداه قائلاً: «إليّ يا هذا، ولتكن من تكون، فليس ثمة مكان تستطيع أن تجلس عليه غير هذه الصخرة، كما أنه ليس ثمة مكان أخصب من هذا المكان تقع فيه الأغنام على عُشْب وفير، كذلك لن يجد الرعاة مكاناً ظليلاً غيره».
وجلس سبط أطلس (ميركوري) يحدّث أُرْجُس حيناً وينفخ في مزماره حيناً، علّه بتلك النغمات الرتيبة يجعل أُرْجُس يهجع فينام ويغمض عيونه. وغالب أُرْجُس النوم ما استطاع، يغمض بعض عيونه ويفتح بعضها، وأخذ يسائل رفيقه عن ذلك المزمار كيف ابتدع إذ لم يكن له عهد به. فأخذ رفيقه يحدثه ويقول: «ثمة في جبال أركاديا الباردة وبين الهامادرياد في نوناكريس حورية مشهورة بين الحوريات تدعى سيرينكس، كثيراً ما كانت تفلت من مطاردة الساتير والجان الذين يسكنون الغابات الظليلة والحقول الخصيبة، وكانت تدين بالإلهة أورتيجيا [ ديانا ] تحاكيها في عفّتها ومسلكها، كما كانت أشبه ما تكون بابنة ليتو [ ديانا ] في تشمير ردائها بحزام، ومع أن قوسها كان من القرون وقوس ديانا كان من الذهب غير أن اللَبْس بينهما كان ممكناً. وذات مرة حين كانت هابطة من مرتفعات ليكليوم، رأها بان وعلى رأسه إكليل من الصنوبر».
وانبرى ميركوري يروى قصة هرب الحورية التي لم تحفل بتضرّعات بان وفرارها إلى ضفاف لادو. وهناك حيث تفيض المياه على الرمال فتصفو وتسكن توسّلت سيرينكس إلى أخواتها حوريات المياه بأن يمسخنها، وذكرت لهن كيف كان بان يمسك بقصبات المستنقعات وهو يخال أنه قد أمسك بها، وكيف أن القصبات كانت تنقل صدى أشجانه وترسلها في الهواء أنات رقيقة حزينة. وفُتن بان بحُسن ما يسمع من أصداء فصاح مشدوهاً: «فليبقَيَنَّ حديثي معكِ على هذا النحو إلى الأبد». وهكذا خُلد اسم سيرينكس بفضل تلك القصبات المتفاوتة طولاً، والتي ضُمَّ بعضها إلى بعض برباط من الشمع.

وحين أخذ ميركوريوس يتهيأ لاستكمال قصته وجد أُرْجُس قد استسلم للنوم وأطبق جفونه كلها، فأمسك عن الحديث، وأخذ النعاس يشتد شيئاً فشيئاً بأُرْجُس حين مسّه بصولجانه السحري. وما إن رآه قد غلبه النوم حتى حمل عليه بسيفه المقوّس فأطاح برأسه وطوّح به بعيداً والدماء تسيل منه على صخرة عالية فتلطخت الصخرة كما تلطخ سطح الهاوية، ثم وقف يقول: «ها أنتذا الآن يا أُرْجُس جثة هامدة بلا حراك، قد ذَبُل خدّاك فلم تُعَدْ لهما نضرتهما، واظلمّ نور عيونك المائة وكأنه عليها غشاوة». غير أن ابنة ساتورن جمعت بعدُ تلك العيون المائة ورصّعت بها ريش طاووسها كما رصّعت ذيله بجملة من الأحجار البراقة.
وتصدّت جونو لغريمتها الأرجوسية وهي أشدّ ما تكون غضباً، فوكلت بها إحدى «الإيرانات» ربّات الانتقام، وزوّدت البقرة بمنخاس خفيّ في صدرها يدفعها إلى الهرب دائماً مصطحبة ذُعرها أنى حلّت. وبقيتِ أنت أيها النيل آخر المطاف لرحلة إيو الشاقة المتواصلة. وما إن انتهت إيو إلى النهر حتى خرّت ساجدة على شاطئه، رافعة رأسها متجهة إلى السماء – وما كانت تملك غير ذلك – وعيناها تذرفان الدمع، وهي تطلق خواراً شديداً، وكأنها تجأر إلى جوبيتر ضارعة أن يجعل لهذه الآلام نهاية. وطوّق الإله بذراعيه عنق زوجته متوسّلاً إليها أن تستجيب لها وهو يقول بعد أن أشهد على نفسه مستنقعات نهر ستيكس: «لا تخشى بعد هذا اليوم منها بأساً». واطمأنت جونو إلى ما قطعه جوبيتر على نفسه، وعادت إيو إلى صورتها الأولى، فتساقط ذلك الشعر الذي كان يكسو جلدها، وغابت القرون شيئاً فشيئاً، وارتدت عيناها إلى استطالتهما بعد أن كانتا مستديرتين، وأخذ فمها يصغُر، واستوت لكتفيها ويداها، وانخلعت عنها حوافرها وحلّت مكانها أصابعها الخمس بأظافرها، ولم يتبق من صورتها وهي بقرة غير بياضها الناصع. عندها هَبَّت واقفة على قدميها وهي تردّد بفمها بعض الكلمات تختبر بذلك صوتها مخافة أن يكون كما كان خواراً، وحين اطمأنت إلى أنها استردّت صوتها أخذت تستعيد قدرتها على الكلام.
المصادر:



