أبولو: قتله بايثون، وعشقه لدافني

عندما أطلقت الشمس المشرقة أشعتها بالدفء يُبَدِّدُ الوَمَدَ المتلبّث من عهد بعيد أخذت الأرض تنشقُّ عن حيوانات جديدة مختلفة الأنواع، وبدأت الوحول والمستنقعات الندِية تعلو لتفسح للبذور الدفينة أن تطلق سيقانها بعدما تشق باطن الأرض الذي كان أشبه بالرحم يضمّ الجنين إلى أن يكتمل نضجه. ومع مرور الزمن تعدّدت تلك النباتات ألواناً وأصنافاً. وإنا لنجد شيئاً من هذا مع فيض نهر النيل ذي المصبات السبعة حين يفيض تاركا على الأرض الغِرْين، فما يلبث ذلك الغرين بعد أن تُرسل عليه الشمس أشعتها أن ينفرجَ عن هوام كثيرة يجدها الزارعون حين يقلّبون الأرض بفؤوسهم، منها ما اكتمل نموه وبات على وشك أن ينبض بالحياة، ومنها ما دبّت الحياة في عضو واحد من أعضائه بينما بقيت الأخرى صلصالاً لم يتشكّل بعد. ثم ما تلبث الهوام أن تتدرّج في سُلّم الحياة بين الدفء والوَمَد وهما قوام الحياة، كما هي الحال في النار والماء؛ فعلى الرغم مما بينهما من تضاد، فمرَدّ حياتنا إلى دفء ونداوة ذاك. وهذا التواؤم القائم على التضاد بين الدفء والنداوة هو سرّ الحياة على الأرض.

وحين بعثت الشمس الحانية في السموات بالدفء إلى الأرض الموحلة بفعل الطوفان انبتّت على الأرض ذرارى كثيرة، منها ما جاء على أنماط ما كان، ومنها ما جاء على أنماط جديدة لا عهد للأرض بها، ومنها بيثون المهول الذي ظهر للوجود على الرغم من إرادة الأرض. ولقد جاء على صورة خارقة تبعث الرعب في قلوب الجنس البشري الجديد، فقد كان في جسم الزواحف هائل التكوين يكاد يفترش صفح الجبل أجمع، فهالت أبولو رامي السهام ضخامته وخافه على الموجودات التي على سطح الأرض. ولم يكن أبولو يُطلق سهامه قبل ذلك إلا على شارد الظباء أو مخلوع الفؤاد من قطعان الأغنام البرية، غير أنه ما إن وقعت عيناه على هذا الأفعوان الرهيب حتى سدّد إليه سهامه كلها لم يُبق منها سهماً، فإذا هذه السهام تنفذ في جسمه وتمزّقه جميعه، وإذا الدم يتدفّق غزيراً من جراحاته العديدة أسودَ قائماً. وخلّد أبولو ذلك النصر بإقامة مهرجان تدور فيه ألعاب تسمّى الألعاب البيثية نسبة إلى هذا الأفعوان الذي قهرَه. وكانت ثمة تيجان من أغصان شجر السنديان تُمنح للفائزين في تلك المباريات التي كانت تنتظم ألواناً من العَدْو والمصارعة وسباق المركبات، ولم يكن الغار قد عُرِف بعد. ومن ثم مضى فويبوس [أبولو] يبحث عن شجرة تزوّده بإكليل من أغصانها الحانية يحوط رأسه ويتوّج هامته ذات الشعر السَّبْط المسترسل، وكانت السنديانة أول شجرة صادفته فانتزع منها أوراق الإكليل.

أبولو يقتل بايثون
أبولو يقتل بايثون

ووقع فويبوس لأول مرة في غرام دافني ابنة بينيوس، ولم يكن هذا شيئاً عارضاً بل كان ذلك من تدبير كيوبيد الذي شاء أن يثأر من أبولو لسخريته منه ساعة أحسّ الزهو لفتكه بالثعبان بايثون، ورأى كيوبيد يجتذب قوسه المشدود فقال له: «فيم تطاولك أيها الصبي العربيد باستخدام أسلحة المحاربين؟ إن كتفَيَّ وحدهما هما اللتان خُلقتا لحمل مثل هذه السهام، إذ أنا وحدي الذي يقوى على أن يصيب فيُدْمى من يعترضه من الحيوان الضاري أو يناوئه من بني الإنسان. وحَسْبُك شاهداً على ذلك آثار سهامي العديدة النافذة في جسد بايثون السام، ذلك الثعبان الذي كان يفترش المساحات الفسيحة. دع عنك السهام واقنع بشعلتك وسيلة تُؤَجِّج بها الهوى، فما أقصر باعك عن أن تبلغ حظّي من الثناء». فردّ عليه كيوبيد بن فينوس قائلاً: «على رِسْلِك يا أبولو، فأنت إن قويت على أن تصيب بسهمك الحيوان والإنسان فإني بقوسي وسهامي قادر على أن أصيبك فلا أخطئك، فأين مجدك أنت حين تصيب الحيوان من مجدي أنا حين أبلغ بسهامي الضخام؟».

وما إن فاه كيوبيد بقوله هذا حتى انطلق طائراً يشقّ أجواز الفضاء، وإذا هو يحطّ على قمة جبل بارناسوس. عندها نثر كنانته واختار سهمين: أحدهما ذهبيّ اللون محدّد الطرف يُشعل جذوة الحب في القلوب، وثانيهما رصاصي اللون ثلم الحدّ يخمدها. وسدّد كيوبيد هذا السهم الأخير إلى دافني ابنة بينيوس، على حين رمى أبولو بالسهم الأول فنفذ في لحمه إلى النخاع، فإذا أبولو قد هام حُبّاً، وإذا دافني تفرّ هاربة إلى الغابات وقد ضمّت شعرها بشريط كما فعلت ديانا حين أبت أن تستجيب للحب.

ومن قبلُ هام كثيرون بدافني ابنة بينيوس وهي لا تفتأ تتجول بين الأشجار غير مُلْقِية بالاً لما يدور حولها من هُيام الرجال بها، وما دار في خلدها شيء عن الحب أو عن الزواج. وما أكثر ما لامها أبوهـا على عزوفها عن الرجال وتمنّى عليها لو تزوجت وأعقبت بنين وبنات، وكم كان وجهها يحمرّ خجلاً حين كان يحدثها في شيء من هذا لأنها كانت تعدّ مثل هذا الحديث جُرْماً، وكم توسّلت إليه أن يكفّ عن الاسترسال في موضوعه الأثير، إذ كانت تُؤْثِر أن تعيش حياة عذرية كما عاشت ديانا ابنة جوبيتر منذ الأزل. ولم يجد الأب بداً من أن ينصاع لرغبة ابنته فأمسك عن مفاتحتها في هذه الأمور، غير أن جمالها الفتّان وشبابها الطاغي ما لبثا أن غلباها فقاداها إلى غير ما تنشد وتريد. وكان أن وقعت عينا فويبوس على دافني فإذا هو يهيم بها وإذا هو يتحرق شوقاً إلى أن يبنى بها، وأخذ يسعى لأنه يظفر بقلبها إذ كان حبها قد ملأ عليه قلبه كله وملأ عليه جوارحه. فكان إذا نظر إلى شعرها متهدّلاً على جيدها إلى كتفيها تمنّى أن لو كانت قصته حتى لا تولعه، وكذلك كانت تُشبه عيناها البرّاقتان بريق النجمتين الساطعتين، وتغريه شفتاها الحمراوان، وتفتنه أناملها الدقيقة، ويداها البيضان، وذراعاها العاريتان، كما كانت تشغل خياله مفاتنها المحجّبة عن الأنظار.

وما إن أحست دافني متابعة فويبوس لها حتى ولّت الأدبار في سرعة الريح، ولم تتلبّث لحظة لتستمع إلى توسلاته وهو يناجيها قائلاً: «أيتها الحورية يا ابنة بينيوس لا تفرّي مني فما أنا بعدوّ تُخشينه. رفقاً بي، ولا تفرّي مني فرار الحَمَل من الذئاب، أو الغزال من الأسد، أو الحمامة من الصقر، فما يحفزني إلى ملاحقتك غير الحب الذي يتأجج في صدري. كم أفق عليك وأنت تفرّين أن تزلّ بك قدماك فتدميهما الأشواك وأكون أنا الذي جررتك إلى هذا المصير. رفقاً ولا تسلكي سبيلاً غير سويّة، وقرّي حيث أنت، وإني أعدك أن أُقْصِر خُطاي وألا أُسرع. وما عليك إلا أن تسائلي نفسك: من هذا الذي خُلبتَ لبه وسحرتَ قلبه؟ فلست فلاحاً يعيش في الوديان، ولا راعياً يرعى أغنامه بين هذه المراعي. أيتها الفتاة الغريرة، إنك لا تعرفين ممن تهربين وإلا لما هربت. إنني سيّد دلفي وكلاروس وتنيدوس وقصر باتارا، أنا ابن جوبيتر. بدهائي أعرف ما كان وما يكون وما سيكون، وبقدرتي تردّد أوتار القيثارة أنغام الموسيقى. إن سهامي لا تطيش على الرغم من أن ثمة من هو أقدر مني على التسديد. أنا الطبيب الآسي، والطب أنا ابتدعته، وما من خاصة لِعُشْبٍ تبدو إلا وعندي علمها. ولكن وأسفاه ليس ثمة من الأعشاب ما ينفع في شفاء الحب، وما أشقاني بقدرتي إذا ما أجزتني عن عون نفسي على حين أقدر على عون الآخرين».

وكان فويبوس على وشك أن يسترسل في قوله، غير أن ابنة بينيوس ولّت عنه فراراً حياء وحذراً وخَلَّفته حيث هو، ولم تترح له فرصته ليقول ما يريد، وعبثت الرياح بثوبها فجعلته يَعْفَس بجسدها فيجسّد مفاتنها، كما عبثت بشعرها فإذا هو يتهدّل متموّجاً، وإذا هي بهذا وذاك أبهى ما تكون. ولم يقنع أبولو الشاب بهذا الغزل، فدفعه الهوى إلى أن يسرع خطاه ويطاردها، مثله في ذلك مثل كلب بلاد الغال الذي يلمح أرنباً بَرّيّاً عن بُعد وهو يعدو في حقل أجرد فيعدو في إثره ويلاحقه، وكلما خال أنه أدركه ومَدّ خطمه ليملكه إذا هو قد أفلت منه، وهكذا يمضيان لا يدرك أحدهما الآخر. وكانت هذه هي حال أبولو والفتاة.

وما إن أحسّ أبولو الشاب انفلاتها من بين يديه حتى خفّ في إثرها، وإذا هما يعدوان، كلّ يريد تحقيق هدفه، العذراء يحدوها الأمل في أن تنجو، وأبولو يملؤه الخوف من أن يخفق. وكان أبولو أسرع عَدْواً لأن أجنحة الحب كانت تعينه، فإذا أنفاسه تقع على شعرها المتطاير، وإذا هي ثكُل ولا تقوى على العدو، فتقع خائرة القوى إلى جانب مياه بينيوس تصرخ قائلة: «أمدد إِليَّ يد العون يا أبتاه، ودع مياهك ـ إذا كانت لها تلك القدرة القدسية حقاً ـ أن تمسخ جمالي هذا الذي أثار الإعجاب بي في قلوب الجميع». وما إن أتمت كلماتها حتى استرخت، وإذا صدرها قد استحال جذع شجرة، وإذا شعرها أوراقاً، وإذا ذراعاها أغصاناً، وإذا قدماها جذوراً، وإذا وجهها قمة تلك الشجرة، ولكنها على هذا بدت رائعة.

أبولو يلاحق دافني التي حولها والدها الى شجرة
أبولو يلاحق دافني التي حولها والدها الى شجرة

ولم يُثْنِ هذا المصير فويبوس عن حُبّه لها، فتحسّس بيده جذعها يتلمّس مكان قلبها الذي ما فتئ ينبض تحت اللحاء، وأخذ يحتضن الأغصان ويغرق الشجرة بقبلاته، فإذا هي تتضاءل وتَضْمُر فصاح بها قائلاً: «إذا كان ثمة ما يحول بينك وبين أن تكوني عروسي ورفيقة حياتي، فابقي لي كما أنت شجرة أهيم بها وأطوف، ولسوف يكون شِعْري في وصفك، ولسوف تتغنى قيثارتي بمدحك، كما سوف تكون سهامي في الذَّوْدِ عنك، ولسوف أجعل من أغصانك تيجاناً لهامات المحاربين عندما يشهد الكابيتولينوس في روما مواكب النصر، ولسوف تقفين أنت على أبواب مدينة أُغسطس تحرسينها وفية مخلصة، كما سوف تذودين عن أكاليل أوراق البلوط العالقة بها. وكما سيبقى رأسي يزينه الشباب، فكذلك سيظل رأسك تُجَلِّله الخضرة التي لن يعتورها ذبول».

وما إن انتهى أبولو من حديثه هذا حتى طأطأت شجرة الغار رأسها وأرخت غصونها، وكأنها بهذا ذاك تعلن عن رضاها بكلامه وقبولها لمطلبه. ولم يعد بعدها عند المخْلِص أبولو ما يقوله.

المصادر:

للمزيد من المواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *