ثول: أبعد نقطة عرفها الإنسان القديم
في القرن الرابع قبل الميلاد، أبحر رجل يوناني يُدعى بيثياس من مدينة مرسيليا (مرسيليا الحالية بفرنسا) في رحلة استكشافية جريئة نحو الشمال، متجاوزًا كل الحدود المعروفة للعالم اليوناني آنذاك. حين عاد، روى للعالم عن أرض غامضة تقع في أقصى الشمال، أطلق عليها اسم “ثول” (Thule) — أرض تنعدم فيها الليالي في الصيف، ويتجمّد البحر المحيط بها حتى يصير أشبه بـ”رئة بحرية” لا يمكن اختراقها لا بالمجاديف ولا بالأشرعة.
منذ تلك اللحظة، وعلى مدى أكثر من ألفي عام، ظلت “ثول” واحدة من أكثر الألغاز الجغرافية إثارة للجدل في التاريخ القديم: أين تقع بالضبط؟ هل كانت مكانًا حقيقيًا زاره بيثياس فعلاً، أم مجرد نسج خيال لرحّالة أراد أن يبهر معاصريه؟ وكيف تحوّلت، بعد قرون طويلة، من لغز جغرافي بريء إلى رمز استغلّه أحد أكثر الأنظمة دموية في التاريخ الحديث؟
من هو بيثياس، ولماذا نثق بروايته أصلاً؟
لم يكن بيثياس مغامرًا عابرًا، بل كان فلكيًا وجغرافيًا محترمًا في عصره. يُنسب إليه أنه أول من لاحظ العلاقة بين حركة القمر والمد والجزر، وأول من قدّم تقديرًا لطول سواحل بريطانيا. رحلته، التي دوّنها في كتاب فُقد للأسف ولم يصلنا منه سوى اقتباسات نقلها كتّاب لاحقون مثل سترابون وبليني الأكبر، وصفت طريقًا يمر ببريطانيا، ثم يتجه شمالاً لمسافة “ست أيام إبحار” حتى الوصول إلى ثول.

المشكلة أن سترابون نفسه، الجغرافي اليوناني الذي عاش بعد بيثياس بعدة قرون، شكّك بشدة في مصداقية الرحلة، ووصفه في أحد النصوص بأنه ربما كان “أكذب الكذّابين”. لكن مؤرخين محدثين يرون أن تشكيك سترابون قد يعكس تحيزًا شخصيًا أكثر مما يعكس حقيقة موضوعية، خصوصًا أن تفاصيل كثيرة ذكرها بيثياس عن الشمال (كطول النهار الصيفي المتطرف، والبحار شبه المتجمدة) تتطابق فعليًا مع ظواهر حقيقية معروفة اليوم عن المناطق القطبية الشمالية — وهذا يصعب تفسيره لو كانت الرحلة كلها اختلاقًا محضًا.
أين تقع ثول فعلاً؟ خمس نظريات تتنافس حتى اليوم
هنا يكمن جوهر اللغز: رغم كل الأدلة والنقاشات الأكاديمية المستمرة منذ قرون، لا يوجد إجماع نهائي على الموقع الحقيقي لثول. إليك أبرز المرشحين:
1. آيسلندا — النظرية الأكثر شهرة
يرى عدد من كبار الباحثين، على رأسهم البروفيسور باري كونليف من جامعة أكسفورد، أن ثول هي آيسلندا بالضبط. الحجة الأساسية: وصف بيثياس لنهار صيفي بلا ليل يتطابق تمامًا مع موقع آيسلندا القريب من الدائرة القطبية الشمالية، ووصفه لـ”البحر المتجمد” ينسجم مع طبيعة آيسلندا البركانية والجليدية معًا.
2. النرويج، وتحديدًا جزيرة سمولا الصغيرة
في المقابل، يرى فريق آخر من الباحثين — من بينهم دراسة معمّقة أجرتها الجامعة التقنية في برلين عام 2010 بمشاركة خبراء جغرافيا وعلماء لغويات كلاسيكية — أن “ثول” هي في الحقيقة جزيرة نرويجية صغيرة تُدعى سمولا، أو منطقة قريبة من مدينة تروندهايم النرويجية الحالية. يستند هذا الفريق إلى تحليل دقيق لخرائط بطليموس القديمة ومقارنتها بالخرائط الحديثة، ويجادلون بأن مسافة “الأيام الست” الذي ذكرها بيثياس تتناسب جغرافيًا بشكل أفضل مع الساحل النرويجي منها مع آيسلندا البعيدة نسبيًا.
3. جزر شتلاند الاسكتلندية
رأي ثالث، تبنّاه عالم الآثار ريس كاربنتر، يقول إن ثول هي في الحقيقة جزر شتلاند شمال اسكتلندا — استنادًا إلى أن بطليموس نفسه (الجغرافي الذي أتى بعد بيثياس بقرون) وضع ثول على خريطته في موقع يطابق شتلاند تمامًا، وهو ما يرى كاربنتر أنه دليل على أن معلومات بطليموس استندت أصلاً لرواية بيثياس ذاتها.
4. جزر فارو
رأي رابع أقل شهرة، لكنه ما زال مطروحًا أكاديميًا، يرشّح جزر فارو الواقعة بين اسكتلندا وآيسلندا كموقع محتمل لثول، بناءً على موقعها الجغرافي الذي يقع فعليًا في منتصف المسافة بين المرشحين الأبرز.
5. جزيرة ساريما الإستونية
والأغرب من بين كل الاحتمالات: رأي طرحه عالم آثار دنماركي يرى أن ثول قد تكون جزيرة ساريما، الواقعة في بحر البلطيق قرب إستونيا — وهو رأي يبعدنا تمامًا عن المحيط الأطلسي الذي افترضه معظم الباحثين الآخرين، ويفتح احتمالية أن رحلة بيثياس اتجهت شرقًا لا شمالًا غربيًا كما هو الرأي السائد.
لماذا يستحيل حسم اللغز نهائيًا؟
المشكلة الجوهرية أن النص الأصلي لبيثياس مفقود بالكامل. كل ما نعرفه عن رحلته يأتي من اقتباسات متناثرة نقلها كتّاب رومان ويونان لاحقون، وكل واحد منهم أعاد صياغة الوصف بطريقته الخاصة، بل وأضاف أحيانًا تفسيرات أو تصحيحات جغرافية بناءً على معرفته هو، لا معرفة بيثياس الأصلية. هذا يعني أننا لا نقرأ رواية بيثياس مباشرة، بل نقرأ “صدى” لها تناقلته أجيال من الوسطاء، وهو ما يجعل أي محاولة لتحديد موقع دقيق بالغة الصعوبة منهجيًا.
من لغز جغرافي إلى فكرة أدبية: “ثول القصوى”
مع مرور القرون، تحوّلت “ثول” تدريجيًا من اسم مكان محدد إلى مفهوم أدبي أوسع: “Ultima Thule” أو “ثول القصوى” — تعبير لاتيني صار يُستخدم للإشارة إلى أي مكان بعيد يقع على حدود العالم المعروف، بصرف النظر عن موقعه الجغرافي الفعلي. استخدمه شعراء رومان مثل فرجيل في أعمالهم كرمز للمجهول والبعيد، واستمر هذا الاستخدام الرمزي حتى العصور الوسطى وما بعدها، حين بدأ بعض الكتّاب يربطون “ثول” تحديدًا بآيسلندا أو جرينلاند كلما احتاجوا رمزًا لأقصى نقطة مأهولة في الشمال.
الفصل الأكثر إظلامًا: حين استغلّت النازية الأسطورة
هنا يأخذ اللغز منعطفًا مظلمًا تمامًا. ففي عام 1918، وسط الفوضى السياسية والاقتصادية التي أعقبت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، تأسست في ميونخ جمعية سرية باسم “جمعية ثول” (Thule-Gesellschaft)، على يد رجل يُدعى رودولف فون سيبوتندورف، وهو شخصية غامضة ادّعى ألقابًا نبيلة لم تكن حقيقية بالكامل.

اختارت الجمعية اسم “ثول” تحديدًا لأنها تبنّت فكرة : أن ثول الأسطورية كانت الموطن الأصلي المفترض لما أسمته “العرق الآري النقي”، وأن على الجرمان “استعادة” هذا النقاء العرقي المزعوم. لم تكن جمعية ثول مجرد ناد فكري بريء، بل كانت جمعية معادية للسامية بشكل صريح، ومرتبطة تنظيميًا بمحفل سري أوسع يُدعى “نظام الجرمان”. من أبرز أعضائها البارزين لاحقًا: رودولف هس (الذي أصبح نائب هتلر لاحقًا)، وألفريد روزنبرغ (منظّر النازية العرقي)، وهانس فرانك. ورغم أن أدولف هتلر نفسه لم يكن عضوًا مباشرًا في الجمعية بحسب الأدلة التاريخية المتاحة، فإن الجمعية موّلت وأسست حزب “العمال الألمان” — وهو الحزب الذي استولى عليه هتلر لاحقًا وحوّله إلى الحزب النازي (NSDAP) الذي قاده إلى السلطة.
بمعنى آخر: أسطورة جغرافية قديمة، بريئة تمامًا في جوهرها الأصلي (مجرد رحلة استكشاف بحرية)، أُعيد تدويرها بعد أكثر من ألفي عام كأداة أيديولوجية لتبرير واحدة من الإيديولوجيات في التاريخ البشري
خاتمة: لغز جغرافي لم يُحسم، ودرس تاريخي أعمق
يبقى اللغز الأصلي لثول — أين تقع بالضبط؟ — بلا إجابة نهائية حتى يومنا هذا، رغم كل الأبحاث الأكاديمية والدراسات الجغرافية الحديثة. ولعل هذا الغموض المستمر نفسه هو ما يفسّر لماذا ظلت هذه الجزيرة القديمة حاضرة في الخيال البشري لأكثر من ألفي عام، من رحّالة يوناني فضولي، إلى شعراء رومان يستخدمونها كرمز أدبي، وصولاً إلى جماعة سياسية مثيرة
المصادر:



